خروجتناكلام رجالةكلمتها

حكاية أثر – الحلقة الأولى| حين نهض الحجر.. عودة آمون وموت من قلب الغياب

تتوهج قاعات المتحف المصري الكبير بوميض الحكايات، وتغمر الزائرين رهبة البدايات الأولى، حين تتجسد الأسطورة في ملامح من حجر، ليقف آمون وموت شامخين في صمتٍ لا يخلو من الفخر، كأنهما يستعيدان أنفاسهما الأولى بعد رحلة طويلة عبر ركام الزمن.

لم يكن هذا الجمال وليد المصادفة، بل ثمرة ملحمة استعادة بدأت بين أطلال البر الغربي بالأقصر، حيث وجد التمثالان محطمين إلى مئات القطع المبعثرة، كانت تلك الشظايا بقايا حلمٍ فرعوني، تحدى قرون النسيان، حتى أفاق من سباته على أيدي فريق من المرممين الذين آمنوا أن الحجر يمكن أن ينبض من جديد.

ويشير العديد من المتخصصين في علم الآثار إلى أن قصة اكتشاف وترميم التمثالين تُعد من أبرز إنجازات القرن الحديث في هذا المجال، إذ امتزج فيها العلم بالشغف، والتقنية بالإبداع الإنساني.

وقد تولت مهمة إحياء التمثالين خبيرة ألمانية تُدعى «أوريك»، درست فنون الترميم على يد زوجها أحد كبار علماء الآثار، استخدمت برامج الحاسب لتخيل الشكل الأصلي للتمثالين، وقارنت كل جزء بتماثيل أخرى للإله آمون حتى وصلت إلى صورة تكاد تطابق الأصل.

يُعد الإله آمون في اعتقاد المصريين القدماء، أحد أعظم المعبودات في طيبة خلال الدولة الحديثة، وقد جمع بين مكانة دينية سامية وقوة سياسية نافذة جعلت كهنته من أكثر طبقات المجتمع ثراءً وتأثيرًا، ومع اتحاد اسمه بالمعبود الأقدم رع، أصبح يُعرف باسم «آمون رع»، رمز القوة والخلود وسيطرة النور على الظلمة.

أما الإلهة موت، زوجته وسيدة العرش والأم المقدسة، فقد صُورت كامرأة يعلو رأسها نسر، تجسد الحكمة والحنان والسلطة معًا، وحين أُعيد جمع التمثالين، بدا كأنهما عادا ليُكملا حوارهما الأزلي بين القوة والرحمة، بين الروح والدهر.

لم يكن ترميم آمون وموت مجرد إنجاز أثري، بل كان بعثًا رمزيًا لمعنى الحياة في التراث المصري، حين تصحو الحجارة لتُذكر الإنسان بأنه جزء من تاريخٍ لا يفنى.

وجدير بالذكر أن مساء السبت ١ نوفمبر، شهدت مصر لحظة طال انتظارها بافتتاح المتحف المصري الكبير في احتفال عالمي مهيب أبهر الحضور، وجعل أنظار العالم تتجه من جديد نحو القاهرة الكبرى، هذا الصرح الفريد، القابع على مقربة من أهرامات الجيزة، يُعد أكبر متحف أثري في العالم مخصص لحضارة واحدة، ويضم أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، من بينها الكنوز الكاملة للملك توت عنخ آمون.

يأتي افتتاح المتحف رسالة حضارية تؤكد أن مصر لا تكتفي بحفظ تاريخها، بل تجعله حيًا بين الناس، تصميمه المعماري الحديث يفتح الأفق بين الماضي والمستقبل، بينما تروي مقتنياته قصة الإنسان المصري منذ فجر الحضارة حتى اليوم.

في لحظات الافتتاح المبهرة، لم يكن المتحف مجرد مكان للعرض، بل منبرًا عالميًا يُعلن استمرار عبقرية المصري القديم في رسم ملامح الخلود، ويؤكد رسالة مصر للعالم كله: «ها نحن من جديد، نصنع التاريخ كما كنا، ونُرسل من ضوء أهراماتنا ما يبدد ظلام النسيان».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى