حواراتقهوة العلوم

مركز الإرشاد النفسي.. حيث تبدأ رحلة شفاء جروح الطفولة وبناء أجيال أكثر وعيًا

حوار: وفاء حسن

في عالم تتسارع فيه الضغوط وتتضاعف فيه مسؤوليات الآباء والأمهات، تظل جروح الطفولة هي ذلك الصوت الخفي الذي لا يراه أحد لكنه يوجّه الكثير من سلوكياتنا، ويعيد تشكيل علاقاتنا دون أن نشعر. فالكثير من الأسر تحاول أن تمنح أبناءها أفضل ما تستطيع، لكنها — دون وعي — تُسلمهم إرثًا من الألم لم يُشفَ بعد، فتنتقل الجروح من جيل لآخر في دائرة لا تنتهي ما لم يتوقف أحدهم ليقرر كسر السلسلة.

وفي هذا السياق، يصبح دور مراكز الدعم النفسي أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ تلك المساحات الآمنة التي تعيد ترتيب الفوضى داخل النفوس، وتساعد الأطفال وأهاليهم على فهم جذور السلوك قبل الحكم عليه، وعلى بناء بيت صحي قائم على الوعي لا على تكرار التجارب الناقصة.

وفي حوار صحفي، تكشف لنا الدكتورة رحاب قطب، رئيس قسم الاختبارات والمقاييس النفسية بمركز الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس، عن كيف تتكون جروح الطفولة، وكيف تتسلل إلى أساليب التربية دون قصد، وما الذي يمكن أن يفعله الآباء لوقف نقل الألم لأبنائهم، إضافةً إلى الدور الكبير الذي يلعبه مركز الإرشاد النفسي في احتواء الأطفال ودعم الأسر وتجديد الروابط داخل البيت.

حوار يعبر إلى الداخل… إلى حيث تبدأ القصة الحقيقية لكل إنسان

1. ما المقصود بمصطلح جروح الطفولة؟

جروح الطفولة هي المواقف والخبرات التي نمر بها في سن صغيرة وتترك أثرًا يمتد لمرحلة لاحقة. هذه الجروح درجات: قد تكون بسيطة، أو عميقة، أو غائرة، أو مغلقة ظاهريًا لكنها تعود لتؤلمنا مع أي ضغط بسيط، وقد تكون جروحًا لم تُشفَ بعد وتظل مستمرة معنا.

2. هل يمكن أن ينعكس جرح الطفولة على طريقة تربية الشخص للأطفال حتى لو كان يحاول أن يكون أبًا أو أمًا مثاليًا؟

بالطبع. الجرح ينعكس أولًا على طريقة تعامل الشخص مع نفسه، تقديره لذاته ورؤيته لنفسه. وكلما كان الجرح عميقًا، انعكس على تربية الأبناء. نرى مثلًا أمهات يرفضن بناتهن بسبب نشأتهن في بيئة ترفض الإناث، أو آباء يفضلون الذكور لأنهم كانوا يشعرون بالتمييز في طفولتهم. فقدان الشيء قد يدفع الشخص لعدم القدرة على منحه، أو على العكس الإفراط فيه بشكل غير صحي.

3. ما العلامات السلوكية أو النفسية التي تدل على أن الوالدين يربّون أبناءهم من خلال جروحهم القديمة؟

من أبرز العلامات أن يردد الأب أو الأم نفس الكلمات التي كانوا يسمعونها في طفولتهم، مثل المقارنات المستمرة أو التقليل من الإنجازات. كأن يسمع الطفل “اللي جاب امتياز أحسن منك”، أو “كلية إيه ودكتورة إيه؟”. البعض يعاقب أبناءه لأنه يرى نفسه فيهم، فيكرر نفس دائرة الألم -دون وعي-.

4. ما دور التربية القاسية أو الإهمال العاطفي في تشكيل هذه الجروح عند الأطفال؟

التربية القائمة على القسوة — سواء بوجود جرح لدى الوالدين أو كتقليد لما اعتادوه — تخلق طفلًا بلا احتياجات عاطفية مُلبَّاة. عدم وجود حضن، كلمة طيبة، تشجيع، أو تقدير، كلها تصنع فجوة كبيرة. كذلك التقليل من مشاعر الطفل أو ذكرياته أو هواياته يرسخ القسوة الداخلية، رغم ضرورة وجود قواعد سلوكية لا بد منها.

5. هل يمكن أن يكون الإفراط في الحماية والاهتمام نوعًا من الأذى غير المقصود للطفل؟

نعم، وهذا من أخطر أنواع الأذى. الإفراط في الحماية ينشئ طفلًا اعتماديًا، ضعيف الشخصية، يخشى اتخاذ القرارات. كثير من الأمهات يربطن قيمة أنفسهن بأداء أطفالهن: واجباتهم، نظافتهم، مظهرهم. وهذا يجعل الطفل يعيش في دائرة ضغط دائم، ويُشعره بأنه مساحة لتمثيل أهله وليس شخصًا مستقلًا.

6. كيف يتأثر الطفل عندما يعيش في بيئة يراها متناقضة: والدان مثاليان اجتماعيًا لكن في البيت صراعات خفية؟

هذا التناقض يصنع طفلًا بلا هوية، فاقدًا للانتماء، عديم الثقة. يرى والديه يمثلان خارج البيت، ويتصرفان بعكس ما يظهرانه. الأم تنتقد الأب أمام الأولاد، والأب يسخر منها، ثم أمام الناس يظهرون بمثالية. هذا يولد شخصية كاذبة داخل الطفل، ويجعله يمارس نفس النمط ويبتز أهله بما يسمعه ويراه.

7. هل مواجهة الطفل والاعتراف بالأخطاء أمامه أمر صحي، أم قد يسبب ارتباكًا؟

قبل محاسبة الطفل يجب أن نكون قد علمناه السلوك ورآه منا. لا يصح أن ننتقد الطفل على أمر لا نطبقه نحن. عندما يرى الطفل تضاربًا بين ما نقوله وما نفعله، يفقد قدرته على التمييز بين الصح والخطأ. أما الاعتراف بالخطأ أمامه فهو صحي جدًا، بشرط أن يراه سلوكًا عمليًا وليس مجرد كلام.

8. ما الطرق التي تساعد الطفل على التعبير عن مشاعره بطريقة آمنة؟

أن يشعر الطفل أن والديه مصدر الأمان. نحكي له عن يومنا وتفاصيل حياتنا، ونسمع له للنهاية دون خوف أو تهديد أو سخرية. منح الطفل مساحة آمنة ليحكي هو أساس بناء شخص سوي. عدم التعبير عن المشاعر يصنع بالغين غير قادرين على فهم أنفسهم أو التعامل مع الآخرين.

9. هل يمكن أن يقوم الوالدان بعلاج جرح تسببوا به لطفلهم، أم يحتاج الأمر إلى تدخل متخصص؟

غالبًا، إذا كان الوالدان على وعي فلن يُحدثا الجرح من الأساس. لكن في حال حدوثه، يحتاج الوالدان أحيانًا إلى علاج لأنفسهم أولًا قبل مساندة الطفل. فالطفل يتأذى من أشخاص يمثلون له قيمة كبيرة، ما يجعل الجرح أعمق. جلسات العلاج تساعد في كشف صورة المشكلة داخل الطفل والوالدين معًا.

10. هل ما زال الحديث عن الصحة النفسية في التربية يواجه وصمة اجتماعية؟ وكيف يمكن تغيير ذلك؟

نعم، ما زالت هناك وصمة. كثير من الأهالي يرفضون الذهاب لمعالج نفسي لأطفالهم، رغم أن بعض الحالات تحتاج تدخلًا متخصصًا. الناس تخشى أن يُنظر إليهم كـ”مرضى”، ولا تدرك أن الجانب النفسي أساسي في بناء الطفل. التوعية المستمرة تغير هذه النظرة تدريجيًا.

11. ما أهم الخدمات والبرامج التي يقدمها مركز الإرشاد النفسي لدعم الأطفال الذين يعانون من صدمات أو جروح نفسية؟

يقدم المركز برامج في تعديل السلوك، العلاج النفسي، التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وبرامج تدريبية للأهالي والمعلمين. كما يوضح للناس الفرق بين تعديل السلوك والعلاج السلوكي والعلاج النفسي المتخصص. نستقبل استشارات، نجري جلسات فردية.

12. كيف يساعد مركز الإرشاد النفسي الآباء والأمهات على التعامل مع مشكلات أطفالهم النفسية والعاطفية وضمان استمرار التحسن داخل البيت؟

نبدأ بجلسات مع كل طرف على حدة، ثم جلسات مشتركة، ثم جلسات مع الطفل. نحدد أين تكمن المشكلة: في الطفل أم في الأبوين أم في العلاقة بينهما. نتابع مع الأسرة عبر جلسات منتظمة لضمان استمرار التحسن، وقد يحدث انتكاس فنعود لنقطة البداية، وهذا طبيعي في أغلب الحالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى