كاتب ومقال

حدوتة أول سيت كوم شعبي

في زمن كانت فيه الشاشة الفضية مرآة صادقة لنبض

الشارع المصري؛ زمن المصابيح الغازية التي تُنيـر الحارات بروائح المقاهي البلدي وأهازيج الأفراح الشعبية، لمع فيلم «شارع الحب» عام ١٩٥٩ كحجر كريم في عقد السينما الذهبية. لم يكن مجرد رواية غرامية كغيرها من الروايات، بل وثيقة اجتماعية تصوّر صراع الفن مع الفقر، وتستعيد ضحكات من القلب تُشعل في الروح دفئًا لا يشيخ.

ومن بين تلك الضحكات سطعت نجمة استطاعت أن تصنع من الهامش بطولة، ومن الكوميديا مقاومة، لتصبح حكايتها جزءًا من ذاكرة مصر، فأصبحت أسطورة شارع الحب الخالدة:

«سنية ترتر بنت نعيمة شخلع»

كان يا مكان يا سادة يا كرام..

على ناصية شارع الحب، حيث تتشابك خيوط الحكايات، كان يقع بيت المعلمة سنية ترتر العالمة؛ امرأة صنعت شهرتها بصوت طبولها وبهجة لياليها، والتي كان يُشار إليها بالبنان،

لكن الزمن كعادته غدار يغيّر الموازين ويُسقط الألق من فوق الكتفين. امتلكت بيتًا فسيحًا ومقهى يرتاده أهل الحارة ليؤنسوا لياليهم ذلك الأنس الذي افتقدته.. فقد بقيت وحيدة في مواجهة ليال طوال تراقب ظلها فوق الجدران وتبحث عن ونيس في وحدتها ويهدم سجن العنوسة الذي فُرض عليها.

وأسفل منزلها شغل حسب الله السادس عشر بفرقته الموسيقية محلًا صغيرًا كانت تؤجره له. ذلك الفنان الذي طالما رأى نفسه عبقريًا كانت ترتعد فرائصه من سلاطة لسانها، ولم يسلم رأسه المفعم بالنوتات الموسيقية من صنوف الطبيخ التي كانت تمطره بها في نوبات غضب كوميدية لا تُنسى.

وبرغم كل هذه المشاحنات المعلنة، ظلت تحلم باليوم الذي يحن عليها فيه الاسطى حسب الله ولو بنظرة، ويملأ لها وسادة الحب الخالية فالأيام لم ترحمها من القلق والليالي لم تخل من الأرق . 

ولأنه كان يعلم بنواياها تجاهه كان يأبي أن يُدفن حيًا بجوار امرأة مثيرة للمشاكل – على حد ظنه – رغم أنه سجين لفقره وغلظة واقعه، فغروره بنفسه وبفنه لا يليق به سنية

فـ تحوّلت علاقتهما إلى تجسيد حي لمثل شعبي قديم: «القط ما يحبّش إلا خنّاقه.»

فيتدخل القدر – كعادته – ولا يترك الحكايات ساكنة؛ فـ يقع أحد أفراد فرقة حسب الله في ورطة لم تُنقذه منها إلا ترتر. وفي لحظة فارقة، يجد الرجل نفسه مضطرًا لطي غروره جانبًا والقبول بالزواج منها.. لا حبًا، بل اعترافًا متأخرًا بقيمتها التي لم يرها إلا بعدما أضاءت له الطريق مرة أخرى بإنقاذها له ولفرقته. ليبدأ فصل جديد من ملحمة الحب الغريب بين العالمة والآلاتي

 تضحك لها الأقدار بعد الزواج، فتغمر زوجها بدلال لا يليق إلا بسلطان زمانه. وبفرحة مراهقة متأخرة، وفي لقطة تُعدّ من الكوميديا الديكورية التي تميزت بها كانت ترتدي ثيابًا مطبوعًا عليها «حرم حسب الله»، كأنها ترفع راية انتصارها على الزمن.

ومن عجائب حبها له كانت تطلب منه عربون محبة «ختم حب» في شكل قبلة على خدّها كلما ساعدته في حل مشكلة من مشكلاته كي تستطيع أن تقدح زناد فكرها.. فتُصيب بفطنتها ما يعجز هو عنه، ولا يخيب هو لها رجاء.

هكذا كانت حكاية ولادة أول حدوتة «سيت كوم شعبي»،

ولكن برغم كل الحكايات التي تُروى نصفها بالضحك ونصفهابالدهشة، بقيت علاقة سنية وحسب الله أشبه برقصة قديمة لا يعرف أحد من منهما يقود خطواتها. بينهما مسافة من ذلك النوع الذي يجعل كل منهما يدور حول الآخر كــ كوكبين تاهت مداراتهما. 

كانت علاقة تُرى بالحدس؛ وكأن الحياة جمعت بينهما لا ليُكملا بعضهما، بل ليكشف كلًا منهما ما ينقص في الآخر: هي تعلمه الدفء الذي نسيه، وهو يُذكرها أن خلف صلابتها قلبًا ما زال يرتجف كلما نادى عليها.

هكذا مضت حكايتهما.. خليطًا من جرأة امرأة لا تخاف شيئًا، ورجل يحاول طوال الوقت ألا يعترف بأنها كانت نقطة ضعفه الوحيدة. 

وتبقى حدوتة سنية ترتر وحسب الله السادس عشر من أجمل حواديت مصر العتيقة، بحكاياتها الراسخة في وجدان ثقافتنا كجذور شجرة عجوز تأبى إلا مناطحة الزمان في خلوده.

بقلم: سمر مرسي 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى