كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| العقاد مع أماني ناشد

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

لدى التليفزيون المصري لقاء نادر أجرته المذيعة الراحلة أماني ناشد مع الأديب الكبير عباس محمود العقاد، جرى تصويره قبل وفاته بشهرين ويعتبر من أطول اللقاءات المسجلة المتاحة مع العملاق الكبير، فاللقاء يزيد على الساعة وتحديدًا استغرق ساعة وربع وقد أذيع في رمضان عام 1964.

في هذا الحوار النادر، لا يظهر عباس محمود العقاد بوصفه أديبًا كبيرًا فحسب، بل بوصفه نسقًا فكريًا مكتملًا، فيلسوفًا بحق؛ حمل عقلًا تشكّل مبكرًا على الوضوح، ورفض الالتباس، ومواجهة الخوف بألفه، وإعلاء قيمة العقل والتفكير.

يبدأ العقاد من الجذور، لا باعتبارها حنينًا للماضي فقط، بل بوصفها تفسيرًا للحاضر. فأسوان، بطبيعتها الساطعة وتاريخها المتراكم، لم تمنحه مشاهد جمالية فقط، بل رسّخت في داخله كراهية الضبابية وحب النور الفكري والوضوح. حتى الطفولة، بما شهدته من اضطرابات، علّمته أن الاستعداد الدائم ليس تشاؤمًا، بل وعيًا مبكرًا بطبيعة العالم. ومن هذا الخليط الحضاري المتجاور—فرعوني في آثاره، شرقي في بيوته، أوروبي في فنادقه—تكوّن أفقه الذي لم يعترف بالحدود الضيقة. وهي حدود يكسرها دون أن يبرح مقعده، فهو قليل السفر، بل ربما لم يغادر مصر إلا مرات معدودة، ويستعيض عن السفر بالقراءة.

من المعروف طبعًا أنه لم يكن العقاد ابن مؤسسة تعليمية تقليدية، بل ابن مكتبة، فهو لم يكمل تعليمه الجامعي، لكنه أكمل نفسه بالقراءة، وأنفق على الكتب ما ينفقه غيره على الضروريات. وكأن نبوءة الإمام محمد عبده، حين رأى فيه مشروع كاتب، لم تكن إشادة عابرة، بل مفتاحًا مبكرًا لمسار لم يتراجع عنه يومًا.

وفي فلسفته، يبدو العقاد صداميًا لا بدافع العناد، بل بدافع الإيمان بالنظام. موقفه من المرأة، على ما يثيره من جدل اليوم، ينطلق من فكرة التوازن لا الانتقاص، ومن تقسيم الوظائف لا المفاضلة في القيمة. وكذلك تحدّيه للتشاؤم الشعبي—من الرقم 13 إلى البومة—ليس استعراضًا، بل تمرينًا عقليًا على تحرير الإنسان من الخوف غير المبرر.

أما العبقرية، فهي عنده ليست هالة، بل مفتاح شخصية؛ لا تُفهم بالكراهية ولا تُقرأ من الخارج. لذلك لم يكتب إلا عمّن أحبهم فكريًا، لأن الفهم الحقيقي لا يولد من النفور. ومن هنا جاء رفضه الحاد لما رآه تفكيكًا لجوهر الشعر فيما سُمّي بالشعر الحر، وإصراره على أن الشكل ليس قيدًا، بل شرط معنى.

ينتهي الحوار بنصيحة تبدو بسيطة، لكنها تلخص مشروع العقاد كله: أن تفكر في واجبك كما تفكر في حقك، وأن تعمل للإتقان لا للضوء والشهرة. فالسؤال الحقيقي، كما يتركه لنا، ليس “كيف نُرى؟” بل “كيف نستحق أن نُرى؟”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى