
الصوت المطلوب هو صوت الحق، كلمة حق تقال عندما تُطلب، شهادة أو رأي ليهتدي بها الآخرون أو لتنصف مظلومًا وترفع الظلم عنه. وهذا الصوت متجرد من الأغراض إلا غرض الحقيقة والصواب، مهما تكن العواقب أو التبعات. للأسف، هذا الصوت قليلاً ما نسمعه، بل على العكس، أحيانًا نسمع صوت الباطل يرتفع ليطغى على الحق والحقيقة، وفي أبسط الحالات نسمع صوت الصمت، الذي يطلق عليه بعض الساخرين مصطلح “صوت صرصور الحقل”، وهو الصوت المعتاد سماعه بين فقرات حديث أهل الريف في جلساتهم ليلاً.
كلمة الحق قد تضع صاحبها في مأزق فوري، لكنها ستمنحه كرامة وشرفًا يتخطيان الزمن والمكان. رأيت وشاهدت وعاصرت الكثير ممن التزموا بكلمة الحق، ومن الجانب الآخر، الذين اعتقدوا أن الكذب منجى، أو أن في الصمت السلامة. ردة الفعل الأولى والنتيجة السريعة قد لا تكون في صالح من التزم بالحق والصدق، لكن مع الأيام تتبدل الأحوال ويندم من أثار السلامة بالباطل أو بالسكوت، ويشفى الله ضيق صدر أصحاب الحقيقة والحق.
قول الحق يبدو فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنه في الواقع اختبار حقيقي للإنسان ولشخصيته. فكثيرون يعرفون الحقيقة، لكن القليل فقط يملكون الشجاعة لقولها. فالحقيقة أحيانًا تكون مكلفة؛ قد تخسر بسببها مصلحة، أو علاقة، أو حتى راحة مؤقتة. فما يجب علينا قوله هو الحق والحقيقة والصواب، وليس ما هو مريح أو مانع للضرر. والمفارقة أن المجتمعات كلها تُشيد بفضيلة الصدق، لكنها في بعض اللحظات تعاقب من يمارسه. ومع ذلك، يظل قول الحق قيمة أساسية، لأنه يحافظ على كرامة الإنسان قبل أي شيء آخر. فالكذب قد يمنح مكسبًا سريعًا، لكنه يترك أثرًا طويلًا من الشك وتأنيب الضمير. كما يقال دائمًا: إذا اعتقدت أن الكذب منجى، فإن الصدق أنجى.
فعن صفوان بن سليم مرسلاً: قيل: يا رسول الله، المؤمن يكون جبانًا؟ قال: نعم. قيل: يكون بخيلاً؟ قال: نعم. قيل: يكون كذابًا؟ قال: لا (موطأ الإمام مالك). وبالرغم من خطورة الكذب أو الامتناع عن قول الحق، إلا أن البعض يرى أن هذا يقع تحت بند الذكاء الاجتماعي أو الدهاء أو الحكمة. والحقيقة أن هذا غير صحيح على الإطلاق؛ فالحق حق، والكذب كذب، وصوت صرصور الحق خير شاهد على ذلك.




