كاتب ومقال

حين يصبح الحب مسرحًا للمجاملات

في الحب، المجاملة ليست لطفًا دائمًا… أحيانًا تكون إرجاءً للحقيقة لا أكثر.

حين يجامل الإنسان في مشاعره، فيقول “أحب” وهو متردد، أو يبقى وهو يميل للرحيل، أو يمنح وعودًا لا تستند إلى يقين داخلي، فهو لا يحمي الطرف الآخر من الألم، بل يؤجله فقط إلى لحظة أكثر قسوة.

المجاملة العاطفية لا تُنتج علاقة صادقة، بل تُنتج واقعًا مزدوجًا: ظاهر يبدو مستقرًا، وباطن يتحرك في اتجاه آخر.

الرجل الذي يجامل في الحب يظن أنه يتفادى المواجهة، لكنه يترك أثرًا نفسيًا عميقًا في المرأة يتجاوز فكرة الفقد نفسه.

فالمرأة في هذه الحالة لا تخسر العلاقة فقط، بل قد تبدأ في فقدان اتساقها الداخلي: في فهمها لنفسها، ولحدسها، ولقدرتها على قراءة الإشارات.

تعود إلى التفاصيل، تعيد تفسير الكلمات، وتُحمّل ذاتها مسؤولية ما لم تفهمه مبكرًا، حتى تتحول من طرف في علاقة إلى طرف في محاكمة داخلية صامتة.

ومع الوقت لا يصبح السؤال: لماذا انتهى الأمر؟

بل: ما الذي لم أكن كافية فيه كي يستمر؟

وهنا يتجاوز الأثر حدود القلب إلى تشويش الثقة بالذات.

أما المرأة حين تجامل في الحب، فغالبًا لا تدرك أنها تفعل الشيء نفسه من زاوية أخرى؛ فهي تمنح حضورًا عاطفيًا لا يتطابق مع ما تشعر به فعلًا، أو تبقي الرجل داخل مساحة قرب لا تستند إلى يقين داخلي.

في هذه الحالة، لا يخرج الرجل بخسارة علاقة فقط، بل بخدش في ثقته بتفسيره للأشخاص.

فهو لا يتألم من الفقد بقدر ما يتألم من فكرة أنه عاش علاقة لم تكن متكافئة في الإحساس منذ البداية.

ومع الوقت، لا تتأثر ثقته بها وحدها، بل تمتد إلى ثقته في قراءته للناس عمومًا، فيصبح أكثر تحفظًا، وأقل تلقائية، وأكثر ميلًا لإعادة الاختبار بدل التسليم.

المجاملة في الحب لا تُنتج راحة، بل تُنتج انفصالًا خفيًا بين ما يُعاش وما يُفهم.

وحين تنكشف الحقيقة، لا ينهار الإنسان لأنه خُدع فقط، بل لأنه يكتشف أنه ساهم، دون وعي، في تصديق ما كان يريد أن يكون حقيقيًا.

أصعب ما في الأمر ليس الفراق نفسه…

بل لحظة إدراك أن جزءًا من الألم لم يكن نتيجة فعل الآخر وحده، بل نتيجة صمتك عن رؤية ما كان واضحًا منذ البداية.

كن واضحًا في الحب، فالمشاعر التي لا تُقال بصدق تتحول بمرور الوقت إلى التباس مؤلم.

لأن الصراحة قد تُنهي علاقة مرة واحدة…

أما المجاملة فتُبقيك داخل علاقة تنتهي كل يوم بصمت.

“ليست الخسارة أن ينتهي الحب، بل أن تكتشف أنك كنت تعيش داخل نسخة منه لم تكن حقيقية، وأنك دفعت ثمن صدقك في مكان لم يكن فيه صدق أصلًا.”

بقلم:

د. محمود علام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى