حين يصبح إرضاء الجميع مستحيلًا.. لماذا يحاكم المجتمع المرأة مهما اختارت؟
بقلم: وفاء حسن

منذ سنوات طويلة، لا تزال المرأة تخوض معركة صامتة مع أحكام المجتمع، معركة لا ترتبط بقرار واحد أو مرحلة عمرية معينة، بل تمتد معها في كل تفاصيل حياتها. والغريب أن هذه الأحكام لا تتوقف عند حد، ولا تعترف بأن لكل إنسان ظروفه الخاصة وخياراته التي تخصه وحده.
فإذا تأخرت الفتاة في الزواج، انهالت عليها الأسئلة: “لماذا لم تتزوجي حتى الآن؟”، وكأن الزواج سباق يجب أن تصل إلى خط نهايته في موعد محدد. وإذا تزوجت في سن مبكرة، سمعنا من يقول إنها استعجلت وتحملت مسؤولية أكبر من عمرها. أما إذا فضلت تأجيل الزواج من أجل الدراسة أو العمل أو حتى لأنها لم تجد الشخص المناسب، فغالبًا ما تُتهم بأنها تبالغ في شروطها أو أنها تهدر سنوات عمرها.
ولا تنتهي القصة عند الزواج، بل تبدأ مرحلة جديدة من الأحكام. فبعد أشهر قليلة، يتحول السؤال إلى: “متى ستنجبين؟”. وإذا رزقت بطفل واحد، سألها الجميع عن الثاني، وإذا أنجبت أكثر من طفل، قيل لها إنها تتحمل ما يفوق طاقتها. وحتى جنس المولود قد يصبح محل تعليقات لا داعي لها، وكأن المرأة مسؤولة عن أمر خارج إرادتها.
وفي مجال العمل، لا يختلف المشهد كثيرًا. فالمرأة العاملة قد تُتهم بأنها أهملت بيتها وأسرتها، بينما ربة المنزل تُقابل أحيانًا بنظرة تقلل من دورها، رغم أن إدارة الأسرة مسؤولية لا تقل أهمية عن أي وظيفة. وفي الحالتين، تجد المرأة نفسها مطالبة بالدفاع عن اختيارها، وكأن عليها أن تقدم مبررات لحياتها في كل مرة.
ولا تتوقف الأحكام عند القرارات الكبرى، بل تمتد إلى التفاصيل اليومية. هناك من ينتقد طريقة الملابس، وآخر يعلق على طريقة الحديث، وثالث يرى أن الضحك بصوت مرتفع لا يليق، بينما يعتبر الصمت علامة على التعالي أو الانطواء. حتى الاهتمام بالمظهر قد يُفسر بطريقة سلبية، والبساطة أيضًا قد تكون سببًا للانتقاد.
هذه التناقضات تطرح سؤالًا مهمًا: هل المشكلة فعلًا في اختيارات المرأة، أم في نظرة المجتمع التي اعتادت إصدار الأحكام؟
الحقيقة أن الإنسان بطبيعته يختلف عن غيره. فما يناسب امرأة قد لا يناسب أخرى، وما تراه إحداهن نجاحًا قد لا يمثل أولوية لغيرها. لذلك، لا يمكن وضع قالب واحد تعيش داخله جميع النساء، ثم اعتبار كل من يخرج عنه مخطئًا.
ولعل أخطر ما في الأمر أن كثيرًا من النساء أصبحن يشعرن بضغط مستمر لإرضاء الجميع. فتبدأ المقارنات، ويزداد القلق، وتصبح القرارات نابعة من الخوف من كلام الناس، لا من القناعة الشخصية. وهنا يفقد الإنسان حريته تدريجيًا، لأنه يمنح الآخرين حقًا لا يملكونه، وهو رسم ملامح حياته.
ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت من هذه الظاهرة، إذ أصبح من السهل إطلاق الأحكام من خلف الشاشات دون معرفة الظروف أو التفاصيل. يكفي أن يشارك شخص جزءًا بسيطًا من حياته حتى تنهال عليه التعليقات التي تتراوح بين النصيحة غير المطلوبة والانتقاد القاسي، وكأن الجميع يملكون الحقيقة المطلقة.
لكن الواقع يؤكد أن إرضاء الناس غاية لا يمكن الوصول إليها. فمهما حاول الإنسان أن يكون مثاليًا، سيجد من يرى أنه أخطأ، ومن كان يتوقع منه شيئًا مختلفًا. ولذلك، فإن ربط السعادة برضا الآخرين هو طريق طويل من الإرهاق النفسي.
المجتمعات الأكثر وعيًا هي التي تحترم حق الفرد في الاختيار، ما دام لا يضر أحدًا. فالمرأة ليست مطالبة بأن تحقق توقعات الجميع، بل أن تعيش حياة تتوافق مع قيمها وقناعاتها وظروفها. النجاح ليس له شكل واحد، والسعادة ليست وصفة موحدة، وكل إنسان أدرى بما يناسبه.
في النهاية، ربما نحتاج إلى مراجعة ثقافة إصدار الأحكام أكثر من حاجتنا إلى تغيير النساء أنفسهن. فبدلًا من سؤال الآخرين لماذا اختاروا هذا الطريق، قد يكون من الأفضل أن نتعلم احترام اختلافهم. فالحياة ليست مسابقة لإرضاء المجتمع، وإنما رحلة شخصية، يكتب كل إنسان تفاصيلها بنفسه.
وعندما يدرك الإنسان أن قيمته لا يحددها كلام الناس، بل ما يؤمن به ويحققه في حياته، يصبح أكثر قدرة على العيش بسلام، وأكثر حرية في اتخاذ قراراته دون خوف من أحكام لا تنتهي.




