كاتب ومقال

ثورة الثلاثين من يونيو.. قائدٌ حمى وطنه

بقلم: د. يسر فلوكس

ليست بعض الأيام مجرد تواريخ في الذاكرة الوطنية، وإنما تتحول إلى محطات فاصلة يعاد عندها رسم مسار الدول. وفي تاريخ مصر الحديث، تمثل ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013 واحدة من تلك المحطات التي لا تزال آثارها حاضرة في المشهد السياسي والأمني والتنموي، بعدما خرج ملايين المصريين في مختلف المحافظات معبرين عن رؤيتهم لمستقبل الدولة وهويتها، في ظل أوضاع سياسية وأمنية شديدة التعقيد، أعقبها إعلان خارطة طريق لإدارة المرحلة الانتقالية وصولاً إلى بناء مؤسسات الدولة المنتخبة.

ومنذ تلك اللحظة، دخلت مصر مرحلة جديدة حملت تحديات استثنائية، كان في مقدمتها مواجهة الإرهاب، واستعادة الاستقرار، والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة، إلى جانب إطلاق مسار طويل من الإصلاح والتنمية. وفي قلب هذه المرحلة برز دور الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي ارتبط اسمه بقيادة الدولة خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخها الحديث.

معركة وجود ضد الإرهاب

لم تكن مواجهة الإرهاب مجرد معركة أمنية، بل كانت معركة وجود بالنسبة للدولة المصرية. فقد شهدت البلاد، وخاصة شمال سيناء، تصاعداً في العمليات الإرهابية التي استهدفت قوات الجيش والشرطة والمدنيين، في محاولة لضرب استقرار الدولة وإدخالها في دوامة الفوضى.

وقد خاضت القوات المسلحة والشرطة المصرية، على مدار سنوات، مواجهات متواصلة ضد التنظيمات الإرهابية، كان أبرزها إطلاق العملية الشاملة “سيناء 2018″، التي استهدفت القضاء على البنية التحتية للتنظيمات المسلحة وتجفيف مصادر دعمها، بالتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة. وأسهمت العملية في توجيه ضربات قوية للعناصر الإرهابية، مع استمرار جهود تأمين الحدود وحماية المواطنين.

ودُفعت في هذه المعركة أثمان باهظة، حيث قدمت القوات المسلحة والشرطة المصرية شهداء أبراراً سطروا بدمائهم صفحات مضيئة من التضحية والفداء، ليبقى الوطن آمناً مستقراً. وستظل تضحياتهم جزءاً أصيلاً من ذاكرة الأمة، وعنواناً لمعنى الانتماء الحقيقي.

الوعي… السلاح الذي لا يقل أهمية عن البندقية

أثبتت التجربة المصرية أن مواجهة التطرف لا تتحقق بالقوة الأمنية وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى بناء الإنسان وحماية العقول. فالإرهاب يبدأ بفكرة منحرفة قبل أن يتحول إلى رصاصة أو عبوة ناسفة، ولذلك كان الاستثمار في الوعي أحد أهم محاور الدولة خلال السنوات الماضية.

وتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة عن أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية، مؤكداً أن المصريين أثبتوا تمسكهم بوطنهم ورفضهم لكل محاولات طمس شخصيتهم الوطنية، وأن وحدة الشعب كانت الركيزة الأساسية لعبور تلك المرحلة الصعبة.

ومن هنا جاء الاهتمام بالثقافة والتعليم وتجديد الخطاب الديني، ودعم المؤسسات الوطنية المعنية ببناء الفكر، باعتبارها خطوط الدفاع الأولى ضد دعاة التطرف والكراهية، إلى جانب التصدي للشائعات وحملات الإعلام المعادي التي سعت إلى بث الإحباط وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة.

التنمية والثقافة… طريق بناء الإنسان

لم تتوقف الدولة عند استعادة الأمن، بل اتجهت إلى بناء مستقبل جديد يقوم على التنمية الشاملة. فشهدت مصر تنفيذ مشروعات قومية في مجالات الطرق والإسكان والطاقة والتعليم والصحة، بالتوازي مع مبادرات اجتماعية واسعة استهدفت تحسين جودة الحياة.

وتعد مبادرة “حياة كريمة” من أبرز هذه المبادرات، حيث ركزت على تطوير الريف المصري ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، في نموذج يجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. كما استمرت الدولة في دعم الأنشطة الثقافية، وتطوير البنية الثقافية، إيماناً بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الطرق والكباري والمصانع.

فالثقافة ليست ترفاً، وإنما هي حصن يحمي المجتمع من الأفكار المتطرفة، ويغرس قيم الانتماء والعمل والإبداع لدى الأجيال الجديدة، لتصبح التنمية والثقافة جناحين متكاملين في مسيرة بناء الوطن.

تعظيم قوى الدولة الشاملة

شهدت السنوات التالية لثورة الثلاثين من يونيو اهتماماً بتعزيز عناصر القوة الشاملة للدولة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الدبلوماسي أو التنموي.

فعلى المستوى الأمني، تم تعزيز قدرات القوات المسلحة وتحديث تجهيزاتها بما يمكنها من حماية الأمن القومي المصري في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

وعلى المستوى الخارجي، استعادت مصر حضورها الفاعل في ملفات الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، وأصبحت طرفاً رئيسياً في جهود التهدئة وتسوية الأزمات الإقليمية، وهو ما عزز مكانتها كركيزة للاستقرار في المنطقة. كما أشارت بيانات رسمية إلى أن مواجهة الإرهاب بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية أسهمت في ترسيخ حالة من الاستقرار وسط إقليم يموج بالصراعات.

من تحديات الأمس إلى آفاق الغد

بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على أحداث الثلاثين من يونيو، يواصل المصريون النظر إلى المستقبل بطموح أكبر، مستفيدين من دروس الماضي. فقد أثبتت التجربة أن قوة الدول لا تُقاس فقط بإمكاناتها العسكرية أو الاقتصادية، وإنما أيضاً بوعي شعوبها، ووحدة صفها، وقدرتها على تجاوز الأزمات.

لقد انتقلت مصر من مرحلة كانت تواجه فيها تهديدات أمنية وإرهابية معقدة إلى دولة تسعى إلى ترسيخ الاستقرار ومواصلة البناء، مع استمرار التحديات التي تتطلب عملاً متواصلاً وإدراكاً بأن الحفاظ على الوطن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

وفي ذكرى الثلاثين من يونيو، نستحضر تضحيات الشهداء، ونقدر جهود كل من أسهم في حماية الدولة المصرية ومؤسساتها، ونتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً لأبنائنا، يقوم على العلم والعمل والإنتاج، ويحافظ على الهوية الوطنية التي كانت ولا تزال مصدر قوة هذا الشعب العظيم.

حفظ الله مصر، قيادةً وشعباً، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء، ورحم شهداء الوطن الذين بذلوا أرواحهم دفاعاً عن ترابه، ونسأل الله أن يوفق فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لما فيه خير البلاد، وأن يرزقه الصحة والعافية، وأن يحفظ مصر دائماً وطناً آمناً مستقراً، قادراً على مواصلة مسيرة البناء والتنمية للأجيال الحاضرة والقادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى