كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| أشباه الموصلات وأشباه الرجال

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

منذ عدة أيام، قفز إلى ذهني مصطلح “أشباه الموصلات” أو Semiconductors، تلك التي قضينا سنوات في الكلية ندرسها من خلال معادلات رياضية كبيرة ومعقدة، ولم نكن في تلك الأيام نتخيل أن تقوم معظم التكنولوجيا الحديثة على تلك المواد، مثلما هو الحال الذي وصلنا له اليوم، والمتوقع أن يتزايد بصورة كبيرة خاصة بعد دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي.

المهم، ربما لأول مرة يستوقفني وصفها العلمي؛ فهي ليست موصلات كاملة كالمعادن، وليست عوازل كاملة كالخشب والزجاج، وإنما تحتل منطقة وسط بين الطرفين. بينما كنت أتابع التفكير، خطر لي سؤال مختلف: لماذا تبدو بعض الظواهر الاجتماعية وكأنها تعيد إنتاج نفسها وفق قوانين تشبه قوانين الطبيعة؟ فأشباه الموصلات لا يُقاس دورها بما هي عليه في حالتها الساكنة، بل بما تفعله عندما تتعرض لمؤثرات وظروف خارجية. فعند إضافة الطاقة أو تعريضها للجهد المناسب، تبدأ في أداء وظيفتها الحقيقية. ولهذا أصبحت أساسًا للحواسب والهواتف وكل الأجهزة الإلكترونية تقريبًا.

أن تتغير الخصائص وتؤدي دورًا معينًا عندما تتعرض لمؤثر ما، هو أمر يتكرر بداية من “مفتاح النور” إلى “برامج الحاسب” وصولاً إلى “خوارزميات الذكاء الاصطناعي”؛ الكل يتعرض ويتفاعل ويتصرف بناءً على ذلك.

أما في حياتنا الاجتماعية، فهناك نوع آخر يمكن وصفه مجازًا بـ”أشباه الرجال”. وهؤلاء لا يُعرف معدنهم الحقيقي في أوقات الراحة والهدوء، لأن الكلام في الظروف المريحة متاح للجميع، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تظهر أزمة أو تفرض الحياة مسؤولية غير مرغوبة، أو يصبح للموقف ثمن يجب دفعه. عندها فقط تتكشف الفروق، فالبعض كلما اشتد الضغط عليه ازداد وضوحًا وثباتًا، بينما يختفي الآخرون بمجرد أن نصل إلى نقطة يجب فيها أن تتحول الكلمات إلى أفعال. ومن المفارقات أن أكثر الناس حديثًا عن الشجاعة والوفاء قد يكونون أول المنسحبين عندما يحين وقت التطبيق.

في عالم الفيزياء، توجد عملية تُعرف بالتطعيم، حيث تُضاف عناصر محددة إلى أشباه الموصلات لتحسين خصائصها وتوجيه سلوكها. وهذا قد جعلني أفكر في الإنسان أيضًا: هل يمكن عمل نفس الشيء معه؟ أعلم أن الشخصية لا تولد مكتملة، وإنما يُضاف إليها عبر السنين قيم وتجارب ومبادئ. وهنا تكمن المشكلة في أن بعض الناس يراكمون نوعًا مختلفًا من “الشوائب”، مثل قدراً كبيرًا من المصلحة الشخصية، وقليلاً من المسؤولية، ومزيجًا من التبريرات الجاهزة لكل موقف، والنتيجة أنهم يصبحون قادرين على تغيير اتجاهاتهم بسرعة مذهلة، ليس تبعًا للمبدأ، بل تبعًا للمكسب واتجاه المصلحة.

من المثير للتأمل أن العالم ينفق مليارات الدولارات لتصغير حجم الشرائح الإلكترونية، ومع ذلك تزداد قدرتها وتأثيرها عامًا بعد عام، بينما نجد في المقابل أشخاصًا يبالغون في إظهار القوة والمكانة والحضور، لكنك عندما تبحث عن موقف حقيقي يثبت هذه الصورة، لا تجد إلا القليل. وهنا يظهر الفرق بين القيمة والحجم؛ القيمة في النهاية لا تقاس بالصوت العالي أو المتكرر، ولا بعدد المتابعين، ولا بالمظهر الخارجي، بل بالقدرة على تحمل المسؤولية، وعلى التمسك بالمبدأ مع المعرفة بأن المسؤولية عبء، والتمسك بالمبادئ مثل القبض على الجمر.

للأسف الشديد، بالرغم من أنه في الفيزياء توجد قوانين واضحة تحكم سلوك المادة، ويمكن للعلماء التنبؤ بنتائجها بدقة كبيرة، إلا أن الأمر في عالم البشر أكثر تعقيدًا؛ لأن الإنسان يمتلك دائماً حرية الاختيار بين أن يرتقي إلى مستوى ما يدّعيه من قيم، أو أن يكتفي بالحديث عنها. ولعل هذا ما يجعل دراسة البشر أكثر صعوبة من دراسة الإلكترونيات وعلوم المادة، وهو ما يجعلنا نؤكد دائمًا أن النفس البشرية أكثر تعقيدًا من أي نظام آخر في الكون، مثلما أشار الإمام علي بن أبي طالب: “أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير، وَفيكَ انطوى العالَمُ الأَكبرُ”.

فإذا تعطلت شريحة إلكترونية، أمكن استبدالها بسهولة، أما حين يكتشف الإنسان أن من ظنه راقيًا أو عالمًا لم يكن كذلك، فإن الخسارة لا تكون مادية بقدر ما تكون خسارة في الثقة نفسها. والثقة، على عكس الشرائح الإلكترونية، لا توجد لها قطع غيار. ولهذا تبقى التكنولوجيا، رغم تعقيدها، أقل غموضًا من النفس البشرية. فالإلكترون يتصرف وفق قانون معروف، أما الإنسان فلا يكشف حقيقته إلا عندما تضعه الظروف أمام امتحان لا يمكن الهروب منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى