كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| عندما يصبح الإنتاج قضية أمن قومي

بقلم: شحاتة زكريا

ليست كل المعارك تخاض على الحدود ولا كل الانتصارات تكتب في ميادين القتال. هناك معارك أكثر هدوءا لكنها أشد أثرا معارك تدور داخل المصانع، وفي الحقول، وعلى أرصفة الموانئ، وخلف خطوط الإنتاج. هناك يتحدد جزء كبير من مستقبل الدول وهناك أيضا يُصنع الفارق بين أمة تملك قرارها وأخرى تنتظر قرار غيرها.

لقد كشفت السنوات الأخيرة حقيقة لم يعد من الممكن تجاهلها: الأمن القومي لم يعد مفهوما عسكريا خالصا؛ فالدولة التي تعجز عن إنتاج غذائها أو توفير احتياجاتها الأساسية أو حماية سلاسل إمدادها تظل معرضة لضغوط لا تقل خطورة عن أي تهديد تقليدي.

ومع كل أزمة عالمية يتأكد أن الاكتفاء ليس رفاهية بل ضرورة وأن الإنتاج لم يعد ملفا اقتصاديا فحسب بل أصبح أحد أعمدة السيادة الوطنية.. العالم نفسه قدم الدليل جائحة عالمية عطلت المصانع، وحروب أغلقت ممرات التجارة، وأزمات طاقة رفعت تكلفة كل شيء، وتقلبات سياسية جعلت الحصول على سلعة أساسية يحتاج إلى حسابات معقدة، عندها أدركت دول كثيرة أن الاعتماد المفرط على الخارج قد يحقق وفرة مؤقتة لكنه لا يصنع أمنا دائما، ومن هنا تغيرت الأولويات.

لم تعد الدول الكبرى تتحدث فقط عن معدلات النمو بل عن توطين الصناعة وتأمين المخزون الاستراتيجي ودعم الإنتاج المحلي وتشجيع الابتكار وتقليل الاعتماد على الواردات في القطاعات الحيوية. فالقوة الاقتصادية لم تعد تقاس بحجم التجارة وحدها وإنما بقدرة الدولة على الصمود عندما تتعطل حركة العالم.

وفي مصر تبدو هذه المعادلة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فعدد السكان يتزايد والاحتياجات تتسع والاقتصاد العالمي لا يمنح أحدًا ضمانات دائمة. لذلك فإن الاستثمار في الصناعة والزراعة والطاقة والتكنولوجيا ليس خيارا مؤجلا بل استثمار مباشر في استقرار الدولة وقدرتها على مواجهة المستقبل، غير أن الإنتاج لا يبدأ من المصنع وحده بل يبدأ من العقل الذي يبتكر والعامل الذي يتقن والإدارة التي تخطط والتعليم الذي يربط المعرفة بسوق العمل.

فالمصنع الحديث لا يقوم على الآلات فقط وإنما على الإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها. ولهذا فإن بناء الكفاءات البشرية يظل أهم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة تبحث عن نهضة حقيقية…كما أن ثقافة الإنتاج لا تقل أهمية عن أدواته. فالمجتمع الذي يقدر العمل ويحترم الجودة، ويؤمن بقيمة الوقت، يخلق بيئة تدفع الاقتصاد إلى الأمام.

أما المجتمعات التي تستهلك أكثر مما تنتج وتعتمد على الاستيراد باعتباره الحل الأسهل فإنها تظل رهينة لتقلبات لا تملك السيطرة عليها…ولا يعني ذلك الانغلاق على العالم فالعصر لا يحتمل العزلة. لكن هناك فرقا كبيرا بين الانفتاح القائم على الشراكة والانكشاف الناتج عن الاعتماد الكامل.

الدولة القوية هي التي تتعامل مع الأسواق العالمية من موقع القدرة لا من موقع الاحتياج وتستورد ما يدعم تنميتها لا ما يعوض غياب إنتاجها، إن دعم المنتج الوطني لا يكون بالشعارات وإنما برفع تنافسيته وتحسين جودته وتسهيل بيئة الاستثمار وتوفير التمويل وإزالة العقبات أمام القطاع الخاص وتعميق التصنيع المحلي وربط البحث العلمي بالصناعة.

فكل مصنع جديد يضيف قيمة وكل فرصة عمل مستقرة تعني أسرة أكثر أمانا وكل منتج يحمل شعار صنع في مصر يمثل خطوة إضافية نحو اقتصاد أكثر صلابة.

وفي الوقت نفسه فإن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها. فالقطاع الخاص شريك رئيسي في التنمية والجامعات مطالبة بإنتاج المعرفة القابلة للتطبيق والإعلام مسؤول عن ترسيخ ثقافة العمل والإبداع والمستهلك يملك دورا مؤثرا عندما يمنح ثقته للمنتج الجيد دون تحيز ويجعل الجودة معيار اختياره الأول.

لقد أثبت التاريخ أن الدول التي احترمت قيمة الإنتاج استطاعت أن تحمي استقلال قرارها وأن تواجه الأزمات بثقة أكبر. أما تلك التي اكتفت بالاستهلاك فقد وجدت نفسها تدفع ثمنا مضاعفا كلما تغيرت موازين العالم، لهذا فإن الحديث عن الإنتاج لم يعد نقاشا اقتصاديا يهم المستثمرين وحدهم بل قضية تمس كل بيت وكل مواطن. فالإنتاج يعني فرصة عمل واستقرارا للأسعار وقوة للعملة وقدرة على الإنفاق على التعليم والصحة ومكانة أفضل للدولة في عالم لا يعترف إلا بمن يملك أدواته.

وحين ندرك أن كل ساعة عمل مخلصة وكل فكرة مبتكرة وكل مصنع يفتح أبوابه، وكل فدان يزداد إنتاجه، تمثل لبنة في جدار الوطن سندرك أن الإنتاج لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح بالفعل قضية أمن قومي وواحدا من أهم الأسلحة التي تُطصان بها الدول وتبنى بها الأمم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى