كاتب ومقالكلام رجالةكلمتها

مكتبة الإسكندرية .. جسر العالم للثقافة ودورها في تعزيز الوعي

كتب/ د.شيرين إبراهيم منصور

يعيش العالم اليوم حروبًا غير تقليدية؛ حروبًا تعمل جنبًا إلى جنب مع الحروب العسكرية المعتمدة بشكلٍ أساسي على التكنولوجيا الحديثة كالذكاء الاصطناعي على سبيل المثال وليس الحصر الطائرات المسيرة، فإذا كانت الآلات العسكرية اليوم تتطور فكيف للحروب غير التقليدية وتحديدًا ما تسمى بالحروب الإداراكية ألا يقوم العاملين عليها بتطوير آلياتها، خصيصًى أن تلك الحروب تستهدف العقل البشري والوعي الجمعي بشكلٍ مباشر، وهو ما تدركه قوى الشر التي تعمل على هدم الدول من الداخل وتفكيك التماسك المجتمعي وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وهي أٌقل الطرق تكلفة لتفكيك الدول ووضعها على طريق الدولة الفاشلة بل واسقاطها، وتتكاتف فيها آليات حروب الجيل الرابع والخامس المختلفة مثل الثقافة والاعلام والتعليم والرياضة والفنون وغيرها والعمل على اضعاف تلك الآليات وتعزيز الشائعات والأخبار والمعلومات المضللة التي تعتمد في توليدها ونشرها على الذكاء الاصطناعي، كما تستهدف تلك الحروب طمس الهُوية الوطنية والثقافية للأوطان، ولذلك تواجه الدولة المصرية تحديًا في مواجهة الحروب الإدراكية من خلال بناء جيش إدراكي من الشعب المصري من خلال التوعية بماهية الحروب الادراكية التي لا تنظر للدولة كحدود جغرافية بل كبناء مجتمعي وهو الهدف لدى القوى الشر، هذا بجانب تعزيز مراكز الفكر والتحول من الدراسات التاريخية إلى الدراسات المستقبلية.

تعتمد الدولة المصرية في مواجهة الحروب الإدراكية على “عمليات استباقية ” و”عمليات المواجهة”، حيث تعمل مؤسسات الدولة المعنية بقضية التوعية المجتمعية بالاستراتيجيتين سواء بأسلوب الاتصال المباشر مثل الندوات واللقاءات والمؤتمرات وورش العمل والاتصال أو بأسلوب الاتصال غير المباشر من خلال الاعلام التقليدي وغير التقليدي بمختلف وسائله بجانب الدراما، لتفادي محاولات الانهاك الداخلي والشلل المؤسسي معتمدة فيها على تعزيز الحضور الرقمي من خلال الوصول للمنصات الرقمية المختلفة بشكل يحقق الأثر المرجو، ولأن التأثير في الهوية وقيم الانتماء هو أحد أبرز ركائز الحرب الإداراكية، ولإدراك القيادة السياسية لخطورة محاولات الدول المناهضة لهدم الهُوية واضعاف شعور الانتماء الوطني أٌقيم إحدى أهم المؤتمرات والتي جمعت بين العمليات الاستباقية والمواجهة لردع حروب الوعي تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئيس المصري مؤتمر ” الهُوية الوطنية .. جذور راسخة ورؤية متجددة ” والتي استضافته مكتبة الإسكندرية التي تعتبر جسر التواصل بالعالم، والتي تعد من أبرز وأهم أذرع القوى الناعمة لنشر التوعية والثقافة وتوطيد أوصر العلاقات بين الاسكندرية ومدن العالم.

 

لم تعد مكتبة الإسكندرية اليوم مجرد وجهة الباحثين لاتمام أبحاثهم أو بوابة للاطلاع أو مزارًا سياحيًا هاما لما تزخر به من متاحف تاريخية تحكي قصة هُوية وطن، بل تحولت لجسر تواصل بين الشعب المصري وشعوب العالم أجمع من خلال منتديات تتبادل فيها الشعوب الثقافات؛ فقدعقد في شهر يناير 2026 “الملتقى الثقافي المصري والمغربي ..العمل الثقافي بين الرسمي والأهلي جسور بين مكتبة الإسكندرية ومدينة أصيلة المغربية” الذي مثل شراكة ثقافية، وهو أحد أدوار مكتبة الاسكندرية أن تكون منصة عالمية للحوار، هذا بجانب إيمان المكتبة بأهمية دور الشباب في مواجهة وردع الحروب النفسية، كما أنها تخلق فرص تبادل الخبرات وفتح آفاق جديدة لأبناء الدولة المصرية ودول العالم، ومع إعادة إحياء مكتبة الإسكندرية أصبحت إحدى آليات الدبلوماسية الناعمة المؤثرة، ليأتي في الشهر التالي منتدى الصداقة اليونانية الخامس الذي اعتمد على التبادل الثقافي بين البلدين وبناء حوار انساني واستعادة الذاكرة الثقافية بين البلدين في توقيت تعمل فيه وزارة الخارجية على تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، واستمرارًا لتعزيز الهوية العربية استضافت المكتبة منتدى الأدب المصري السعودي الأول في منتصف شهر يونيو 2026الذي شمل عدد من الجلسات عن الأدب العربي والتعاون الأدبي والفني بين البلدين، كل تلك اللقاءات التي تمثل أحد أشكال الاتصال المباشر والتي تخللها لقاءات في محاور التاريخ والذاكرة المصرية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بالإضافة إلى ورش العمل التي اهتمت بمحور التنمية المستدامة والمسؤلية المجتمعية والشباب والتعليم وبناء القدرات والحوار بين الثقافات، بجانب معرض الكتاب للاسكندرية الدولي المحفل الثقافي، لتكون مكتبة الاسكندرية نموذجًا لإحدى آليات الدبلوماسية الثقافية .

كان محور التعليم والتعلم من المحاور التي اهتمت به مكتبة الإسكندرية لبناء قدرات الطلبة والباحثين والأكاديميين من خلال لقاءات مع خبراء أجانب وعرب في مجال البحث الأكاديمي والذي جاء تحت مظلة التعليم والتعلم في عصر الذكاء الاصطناعي ، ففي الأول من شهر ديسمبر تستضيف مكتبة الاسكندرية المؤتمر السنوي e-AGE26 في نسخته السادسة عشرة والذي يأتي تحت شعار الأهرامات: بنيان لا يزول، ويعد هذا المؤتمر منصة إقليمية تجمع بين خبراء الأكاديميين والباحثين وخبراء التكنولوجيا والذي يشهده صناع القرار من دول العالم بهدف استعراض أحدث التطورات في مجالات البحث والتعليم والبنى التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي بجانب تعزيز فرص الشراكة لا بين المؤسسات والمجتمع العلمي والبحثي، ولأن المجال البحثي هو أحد الأضلع المهمة التي اهتمت به المكتبة من خلال التركيز على تطوير مهارات الباحثين والأكاديميين في مجال الأبحاث الاستشرافية، فقد استضافت الحائز على جائزة نوبل البروفيسور Gudio W.Imbens في لقاء عن السببية وصنع القرار، هذا بجانب انعقاد ورش عمل مع اللواء طيار هشام الحلبي عن كيفية بناء السيناريوهات ومتطلبات النشر الأكاديمي والعديد من اللقاءات التي اهتمت بمحور الدراسات الاستشرافية.

في سياق متصل بمحور التعليم أولت مكتبة الاسكندرية اهتمامًا بالغًا برعاية النشيء من الجانب النفسي والتربوي والتعليمي خاصة في فصل الصيف من خلال البرنامج الصيفي لمكتبة النشء والذي ضم أنشطة قراءة وأنشطة تفاعلية وورش عمل يقوم عليها مجموعة من الخبراء، لتمثل القبة السماوية مؤثر توعوي مختلف في زمن باتت فيه التوعية التقليدية المعتمدة على النظام الأبوي غير مؤثرفي جيل يعيش تحت مظلة التكنولوجيا والتحول الرقمي، ويأتي اهتمام المكتبة بالنشء كفئة مستهدفة من قبل قوى الشر لهدمها.

لا تقف حدود نطاق مكتبة الاسكندرية فقط في الإسكندرية حيث يوجد في القاهرة أحد أفرع المكتبة والذي يشمل بيت السناري وقصر خديجة ومركز توثيق التراث، وتصل خدمات مكتبة الاسكندرية للباحثين والأكاديميين في جميع محافظات مصر من خلال” سفارات المعرفة” تشجيعا للطلاب على التعليم الذاتي وتسليط الضوء على أبرز الأحداث والفاعليات سواء كانت محلية أو عالمية.

تستمر مكتبة الإسكندرية في استكمال دورها في الانفتاح على العالم وتظل حلقة الوصل القوية بين الشرق والغرب واعتبارها نموذجًا لإحدى أقوى وأهم آليات القوى الناعمة المصرية في مواجهة الحروب الإداراكية من خلال فرص تبادل الخبرات والثقافات بين شعوب العالم أجمع، وخير نموذج للدبلوماسية الثقافية التي تهتم بإتاحة الفرصة لحوار بناء بين أبناء الشعوب المختلفة وتبادل أشكال الفنون بهدف تعزيز التفاهم المتبادل بين مصر والعالم، إن مكتبة الإسكندرية استطاعت من خلال مراكزها المختلفة الجمع بين الثقافة والحوار الدولي والتكنولوجيا والبحث العلمي والمعرفة، تلك المعادلة هي مؤشر أن مكتبة الإسكندرية استطاعت أن تتجاوز مفهوم المكتبة التقليدية لمكتبة يمكن القول عليها جسر التواصل بين شعوب العالم.

وفي الختام علينا دومًا أن تذكر مقولة صن تزو الواردة في كتابه فن الحرب : ” الانتصار في المعارك ليس هو النجاح التام؛ النجاح التام هو أن تكسر مقاومة العدو بدون قتال” وهو ما تقوم به الدولة المصرية من خلال الدبلوماسية السياسية والثقافية والاعلامية كأسلحة مواجهة للحروب الإدراكية ..أسلحة دون رصاص.

كتب/ د.شيرين إبراهيم منصور
دكتوراة في الإعلام السياسي ومتخصصة في تحليل المضمون السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى