كاتب ومقال

الفن لحن القلوب

بقلم: عمرو مرزوق

ما كدبش عبد الوهاب لما غنّى:

«يا اللي بدعتوا الفنون وفي إيدكوا أسرارها
دنيا الفنون دي خميلة وإنتوا أزهارها
والفن لحن القلوب يلعب بأوتارها»

لأن لازم نعرف إن الفن مش مجرد لوحة بنشوفها، أو أغنية بنسمعها، أو فيلم بنتفرج عليه وننساه بمجرد ما ينتهي.

الفن في حقيقته قوة كبيرة بتأثر في وجدان الناس، وبتساهم في تشكيل أفكارهم وطريقة نظرتهم للحياة والمجتمع.

وعشان كده، الفن سلاح ذو حدين؛ ممكن يكون وسيلة للبناء والرقي، وممكن يتحول لأداة للهدم والتراجع، وده بيتوقف على طبيعة الرسالة اللي بيقدمها للجمهور، ومدى احترامه لعقل المتلقي ووعيه.

خلينا نتفق إن الفن الجاد مش معناه إننا نقدم للناس مواعظ أو دروس أخلاقية، ولا إن كل عمل فني لازم يكون مثالي وخالي من العيوب، لكن برضه لازم نقدم الفن اللي بيحترم عقل المتلقي، وبيقدم له حاجة تستحق إنه يشوفها أو يسمعها أو يفكر فيها.

تتصوروا إن أغنية ممكن تزرع جوانا حب الوطن، وفيلم ممكن يخلينا نشوف مشكلة اجتماعية بشكل مختلف، ومن خلال ده نقدر نفكر في حلول ليها، ومسرحية ممكن تكشف عيب في سلوكياتنا وتخلينا نراجع نفسنا، ولوحة ممكن تعبر عن مشاعر جيل كامل.

وده هو بالضبط الدور الجميل للفن في حياة الشعوب؛ إنه بيرتقي بالذوق العام، ويفتح أبواب للتفكير، ويساهم في تهذيب المشاعر، والمحافظة على الهوية، ويخلينا أكثر قدرة على فهم نفسنا وفهم اللي حوالينا.

لكن الصورة دي مش دايمًا بالجانب المشرق ده؛ لأن الفن لما ييجي عليه الوقت ويتخلى عن قيمته، ويصبح همه الوحيد جذب الانتباه بأي وسيلة، أو يعتمد على الابتذال والعنف والسخرية من كل القيم الجميلة، ممكن يتحول من وسيلة للارتقاء إلى وسيلة لتشويه الذوق العام والتأثير السلبي على وعي الأجيال.

وهنا بقى لازم نتكلم عن دور الفنان نفسه؛ لأن الفنان مش مجرد شخص بيقدم أغنية، أو بيمثل مشهد، أو بيظهر على الشاشة. الفنان كمان شخصية عامة ليها تأثيرها وجمهورها اللي ممكن يقلدها ويتأثر بكلامها وتصرفاتها.

وعشان كده، المفروض الفنان يكون مدرك وواعي بقيمة تأثيره، ويعرف إن موهبته مش مجرد وسيلة للشهرة أو تحقيق المكاسب، لكنها كمان مسؤولية، وإنه لازم يكون قدوة في سلوكه واحترامه لنفسه أولًا، وللناس ثانيًا، وكمان في طريقة تعامله مع جمهوره.

مش مطلوب من الفنان يكون ملاك أو إنسان من غير أخطاء، لكن المطلوب منه إنه يدرك إن فيه فرق بين حياته الشخصية اللي من حقه يحتفظ بخصوصيتها، وبين التصرفات اللي بيقدمها للناس بشكل علني، وبتتحول أحيانًا لنموذج بيحاول البعض تقليده.

الفنان الحقيقي مش بس اللي يقدر يخلي الجمهور يصفق له، لكن الأهم إنه يقدر يكسب احترامهم، ويقدم لهم فن يعيش في الذاكرة ويضيف لحياتهم حاجة جميلة.

في النهاية، أحب أقول إن الفن مش مجرد مراية بتعكس صورة المجتمع، لكنه كمان قوة بتساهم في رسم ملامح صورته في المستقبل.

والفنان مش مجرد صاحب موهبة، لكنه شريك في تشكيل وعي الناس ووجدانهم.

وعشان كده، رقي الشعوب مش بيحتاج فن ناجح جماهيريًا وبس، لكنه بيحتاج فن له قيمة، وفنان فاهم إن تأثيره أمانة، زي ما الكلمة والصورة واللحن برضه أمانة، ودول هما اللي ممكن يبنوا مجتمع بالكامل، وممكن يهدموا جواه حاجات كتير.

لازم نتأكد إن الفن الجاد مش رفاهية ولا مجرد وسيلة للتسلية، لكنه واحد من أهم ملامح رقي المجتمع وتحضره.

مش كده ولا إيييييييييه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى