
الكتمان…
قد يبدأ بكلمة واحدة لم تُقال، ثم بجملة لم تُكتب، ثم بحقيقة دفنت في أعماقك.
شيئًا فشيئًا، يتحول إلى عادة، إلى جدار لا تسمح له بتسلل الضوء،
يصبح قلبك مكتومًا، وروحك مثقلة بما لم يُفرَج عنه،
حتى تعتاد أن تعيش مع وجعك صامتًا، تجلس وحيدًا وسط ضجيج العالم، تسمع صوت قلبك يئن، لكن لا تجد مكانًا ليخرج.
الكتمان يسرق البساطة من حياتك، يجعل كل شعور حقيقي يبدو عيبًا، وكل ضعف صرخة مرفوضة، فتصبح الحياة لعبة تمثيل،
تضحك بينما تبكي، تتحدث بينما تغرق في صمتك الداخلي،
تُخفي عينيك كل ما يدور في صدرك، حتى يصبح الصمت ثقيلًا لدرجة كأنك تحمل العالم على كتفيك وحدك.
👩🦰 فالمرأة
حين تكتم، تختبئ خلف ابتساماتها وهدوء صوتها، تبتلع خوفها، غضبها، وحتى فرحتها، خائفة أن يُساء فهمها أو أن تُتهم بالضعف، فتضيع بين ما تريد قوله وما لا تستطيع. وهنا يتجسد ألمها النفسي حين ترتدي درع الحراسة لمشاعر المحيطين بها وتنسى ذاتها، لتتعلم بمرارة كيف تمثل القوة أمام العالم، بينما بنيانها النفسي والروحي يتآكل ببطء في صمتٍ قاتل ومخيف.
👨🦰أما الرجل…
فيبتلع ما يعجز عن قوله، يخفي وجعه خلف صمتٍ ثقيل، ويرتدي صبرًا يظنه نجاة. لكن في ميزان النفس، ما يُخفيه لا يتبخر؛ بل يتراكم في عقله الباطن وجسده كالنار الباردة التي تلتهمه من الصميم، فيتآكل صوته الداخلي تحت وطأة.. قناع الصلابة. المفروض عليه، وتغدو ابتسامته شاحبة وميتة تحجب خلفها قلباً أنهكه ثقل الكتمان والتحمل.
لكن…
لا شيء مستحيل. يمكنك أن تفتح قلبك رويدًا رويدًا، بكلمةٍ صادقة، أو سطرٍ يخفف عنك، أو بحديثٍ مع من تثق به.
اعترف لنفسك بما تشعر، وأفرغ صندوقك المليء بالحجارة الثقيلة.
ستدرك حينها أن البوح ليس ضعفًا، بل هو عين القوة، وأن تحرير ما في قلبك هو أول الطريق إلى الشفاء، فالصمت المفرط لا يُحررك، بل يُبقيك أسير نفسك.
في النهاية، هناك أمر أريد أن أخبرك به…
من كتم قلبه، صار أسير صمته، ومن تجرأ على البوح، وجد نفسه حراً، حتى ولو اهتزت الأرض تحته.
وأعلم أن لا شيء يحرر الروح كشجاعة التخلي عن قناع الكتمان، فالصمت الذي يقتلنا بصمت، لا ينهيه سوى بوحٍ شجاع يعيد ترتيب ما هدمه الخوف داخلنا.



