
هل يملكها الجندي الذي خاضها وهو لا يعرف إذا كان سيعود؟ أم القائد الذي رأى الحرب من فوق خريطة؟ أم الصحفي الذي حاول أن يحول النار إلى خبر؟ أم الأم التي لم تكن تعرف شيئًا عن الخرائط والخطط العسكرية لكنها كانت تعرف أن ابنها موجود في مكان ما خلف القناة؟ أم الطفل الذي لم يفهم معنى العبور لكنه فهم أن أباه عاد هذه المرة مختلفًا؟ أم السينمائي الذي لم يكن موجودًا أصلًا في لحظة القتال ثم قرر بعد سنوات أن يعيد بناء تلك اللحظة أمام الكاميرا؟
ولو كانت الحرب المصرية مجرد مجموعة من التواريخ والمعارك، فلماذا لا تكفينا الكتب المدرسية؟ ولماذا احتاجت مصر إلى كل هذه المذكرات والشهادات والأغاني والأفلام والصور والحكايات لكي تتذكر حربًا واحدة؟ ربما لأن الحرب لا تحدث مرة واحدة. تحدث أول مرة فوق الأرض، ثم تحدث مرة أخرى في الذاكرة.
والحرب بالنسبة لمصر ليست أكتوبر وحدها. هناك 1948، ثم العدوان الثلاثي في 1956، ثم سنوات اليمن وما تركته من آثار، ثم يونيو 1967، ثم حرب الاستنزاف، ثم أكتوبر 1973. وكل واحدة من تلك الحروب لم تكن مجرد معركة بين جيش وعدو أو مُحتل، لكنها دخلت البيوت المصرية بطريقة مختلفة. غيرت أبًا، انتظرت أمًا، أخرت زواجًا، أوقفت مدرسة، صنعت خوفًا، ثم صنعت بعد ذلك حكاية. فمين اللي يملك حق جمع كل الحكايات دي في رواية واحدة؟
هل يستطيع كتاب تأريخي أن يسرد أو يؤرخ ماذا كانت تعني الحرب لمدينة كاملة؟ وهل تستطيع صورة جندي يعبر القناة أن تخبرنا عن أم كانت تنتظر سماع صوته؟ وهل يستطيع رقم عدد الشهداء أن يخبرنا كم مرة نطق أهلهم أسماءهم بعد الحرب؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية في رواية الحرب المصرية. فالجيش يملك وثائق وخرائط وأوامر عمليات، والقادة يملكون ذاكرة غرفة العمليات، والمقاتلون يملكون تفاصيل لا تظهر في الخرائط، والصحفيون يملكون ما رأوه وكتبوه، والمؤرخون يحاولون وضع كل ذلك داخل سياق أكبر. لكن ماذا عن الناس الذين لم يكونوا في الجبهة أصلًا؟ هل يمكن أن تكون هناك حرب كاملة لم تدخلها إلا من باب الانتظار؟
في أكتوبر تحديدًا، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا. لأن الحرب نفسها كُتبت من أكثر من مكان. كتب السادات تجربته في «البحث عن الذات»، وكتب سعد الدين الشاذلي مذكراته عن الحرب، بينما جاءت مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي من زاوية رئيس هيئة العمليات وتفاصيل التخطيط والإدارة العسكرية. ولم تكن هذه الكتب مجرد روايات متطابقة؛ بل كشفت أيضًا أن رواية الحرب نفسها يمكن أن تصبح ساحة أخرى للاختلاف حول القرارات والمسؤوليات وتفسير ما جرى.
فأي رواية نصدق؟ وهل المطلوب أصلًا أن نختار رواية واحدة؟ أم أن الحقيقة أحيانًا تختبئ في المسافة بين الروايات؟
ماذا يرى قائد الحرب من موقعه؟ يرى الخطة. ماذا يرى الجندي؟ يرى اللحظة. ماذا ترى الأم؟ ترى الغياب. وماذا يرى المؤرخ بعد خمسين عامًا؟ يحاول أن يرى الصورة كلها. لكن هل يستطيع أحد أن يرى الصورة كلها فعلًا؟
هنا تدخل السينما، لا باعتبارها كاميرا جاءت لتسجل ما حدث، ولكن باعتبارها ذاكرة تحاول أن تتخيل ما لم تستطع الكاميرا تسجيله. واللافت أن السينما المصرية لم تنتظر طويلًا بعد أكتوبر لكي تبدأ في رواية الحرب. في 1974 ظهرت مجموعة من الأفلام التي اقتربت من الحرب مباشرة، بينها «أبناء الصمت» و«الرصاصة لا تزال في جيبي» و«الوفاء العظيم» و«بدور»، ثم جاءت «حتى آخر العمر» و«العمر لحظة». وفي بعض هذه الأعمال دخلت الحرب إلى الحياة اليومية والعلاقات والحب والصحافة، ولم تظل مجرد دبابة ومدفع وجندي.
لكن لماذا اختارت السينما هذا الطريق؟ لماذا كان من السهل أن نرى الجندي يعبر القناة، بينما كان أصعب أن نرى الإنسان الذي سيعود من الحرب ولا يعرف كيف يعود إلى حياته القديمة؟ ولماذا احتاجت السينما إلى سنوات طويلة قبل أن تعود إلى بعض حكايات الحرب والاستنزاف؟ ولماذا تحولت أفلام مثل «الطريق إلى إيلات» في التسعينيات إلى استعادة لعملية عسكرية سبقت أكتوبر، بدلًا من إعادة إنتاج العبور نفسه؟
وهل كان ذلك معناه أن الحرب كانت قد بدأت تخرج من الذاكرة العسكرية لتدخل منطقة أخرى؟ منطقة البطولة الفردية. منطقة الإنسان. منطقة السؤال عن الثمن.
وهنا يصبح «العمر لحظة» فيلمًا مهمًا جدًا داخل هذه الفكرة، لأنه لم يسأل فقط ماذا يفعل الجنود على الجبهة، لكنه اقترب من الصحافة والحياة المدنية ومن فكرة أن الحرب لا تقع في مكان واحد. وكذلك جاءت أفلام أخرى لتعيد توزيع البطولة بين المقاتل ومن يعيشون خلفه. فهل كانت السينما تبحث عن الجندي؟ أم كانت تبحث عن مصر التي كانت تنتظر الجندي؟
وهل يمكن أن نفهم أكتوبر من دون أن نفهم تلك السنوات التي عاشتها مصر بين 1967 و1973؟ ربما لهذا تبدو بعض الأفلام التي سبقت أكتوبر أو عادت إلى حرب الاستنزاف جزءًا من رواية أكتوبر نفسها. «أغنية على الممر»، مثلًا، جاء قبل حرب أكتوبر واشتغل على الإنسان المحاصر في الحرب، بينما أعاد «الطريق إلى إيلات» بعد سنوات النظر إلى مرحلة الاستنزاف وعملياتها. وكأن السينما تقول إن الحرب لا تبدأ يوم إطلاق النار ولا تنتهي يوم توقفه.
لكن ماذا عن الأفلام التسجيلية؟ أليست أحيانًا أقرب إلى السؤال الأصلي من الفيلم الروائي؟ سمير فريد، في كتابه «حرب أكتوبر في السينما»، لم يتعامل مع السينما باعتبارها مجموعة أفلام حربية فقط، بل وثق مرحلة كاملة من علاقة السينما المصرية بالحرب، وضم مقالات ووثائق وقائمة بالأفلام التي تناولت أكتوبر، وتوقف عند أفلام تسجيلية مثل «جيوش الشمس» لشادي عبد السلام و«أبطال من مصر» و«صائد الدبابات».
فهل الفيلم الذي يصور الجندي وهو يعبر القناة يوثق الحرب؟ أم الفيلم الذي يصور وجهه بعد سنوات؟ وأيهما أقرب للحقيقة: لقطة العبور أم لقطة العودة؟
ربما هنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إنسانية. هل نحن نروي الحرب لكي نتذكر الانتصار فقط؟ أم لكي نتذكر ثمنه أيضًا؟ لأن النصر له صورة واضحة: علم يرتفع، جنود يعبرون، أرض تستعاد، وصورة جماعية تحفظها الذاكرة. لكن الخسارة ليس لها صورة واحدة.
الخسارة قد تكون مقعدًا فارغًا في بيت. وقد تكون زوجة تكمل حياتها وحدها. وقد تكون طفلًا يعرف أباه من صورة. وقد تكون جنديًا عاد بجسده فقط، بينما ترك جزءًا منه في مكان لا يستطيع أن يشرحه.
فمن يملك رواية هؤلاء؟ وهل كانت السينما المصرية شجاعة بالقدر نفسه في الاقتراب من هذه المنطقة؟ أم أن صورة البطولة كانت أحيانًا أسهل من صورة الجرح؟ وهل يمكن أن تكون المشكلة في أننا اعتدنا أن نسأل: «من انتصر؟» ولم نتعلم بما يكفي أن نسأل: «ماذا حدث للذين عاشوا الحرب؟»
ربما لهذا لا يكفي أن نقول إن السينما وثقت أكتوبر. الأدق أنها اختارت أي أكتوبر نراه. مرة رأيناه من عين الجندي. ومرة من عين الصحفية. ومرة من عين مجموعة مقاتلين. ومرة من عملية عسكرية. ومرة من ذاكرة سياسية.
لكن ماذا عن أكتوبر من نافذة بيت مصري؟ ماذا عن الحرب كما عاشتها امرأة لا تعرف اسم الخطة العسكرية لكنها تعرف موعد آخر خطاب وصل من ابنها؟ ماذا عن رجل قضى سنوات من عمره ينتظر عودة أخيه؟ ماذا عن طفل لم يكن يعرف معنى «الجبهة» لكنه كان يعرف أن أمه تخفض صوتها كلما جاء خبر من الراديو؟
أليس هؤلاء أيضًا شهود حرب؟
وربما أهم ما يمكن أن تفعله السينما اليوم ليس أن تعيد تصوير عبور القناة للمرة الألف، وإنما أن تسأل: ماذا حدث بعد العبور؟ ماذا فعلت الحرب بالذين عادوا؟ وماذا فعلت بالذين انتظروهم؟ وماذا بقي منها داخل البيوت بعد أن اختفت من نشرات الأخبار؟
هل يمكن لفيلم عن أكتوبر أن يبدأ من عام 1973 وينتهي في 2026 دون أن يكرر مشهدًا واحدًا من مشاهد المعركة؟ هل يمكن أن تكون البطولة هذه المرة لشخص لم يحمل سلاحًا؟ هل يمكن أن تكون بطلة الفيلم أمًا لم تظهر في كتب الحرب؟ وهل يمكن أن يكون أهم مشهد في فيلم عن العبور رجلًا يفتح باب بيته بعد سنوات ويكتشف أن الحرب لم تخرج منه بعد؟
ربما هنا فقط نصل إلى الإجابة.
لا أحد يملك حق رواية الحرب وحده. القائد يملك جزءًا. والجندي يملك جزءًا. والناجي يملك جزءًا. والصحفي يملك جزءًا. والسينمائي يملك جزءًا. والأم التي انتظرت ابنها تملك جزءًا. والطفل الذي كبر على غياب أبيه يملك جزءًا. والشخص الذي لم يحمل سلاحًا طوال الحرب لكنه حمل نتيجتها طوال عمره، ربما يملك الجزء الذي لا تستطيع الخرائط أن ترويه.
لذلك لا تحتاج حرب أكتوبر إلى رواية واحدة. تحتاج إلى أن نسمح لكل من عاشها أن يقول: «أنا أيضًا كنت هناك».
حتى لو لم يكن على الجبهة.
فالسؤال الحقيقي ليس: من يملك حق رواية الحرب؟
السؤال الذي ربما تأخرنا كثيرًا في طرحه هو:
من الذي لم نسمح له بعد أن يحكيها؟



