قهوة العلومكاتب ومقالكلمتها

كوني لنفسك أولاً.. في اليوم العالمي للصحة النفسية

وفاء حسن

في العاشر من أكتوبر من كل عام، يتوقف العالم قليلًا ليحتفل باليوم العالمي للصحة النفسية، وهو يوم ليس مخصصًا للأطباء أو للمؤسسات العلاجية فحسب، بل هو يوم موجه لكل إنسان يعيش تحت ضغط الحياة وتفاصيلها، لكل امرأة تنشغل بكل من حولها وتنسى نفسها. هو يوم تذكير بأن العقل أيضًا يحتاج إلى رعاية، وأن الراحة النفسية ليست ترفًا، بل ضرورة من ضرورات الحياة.

في مجتمعاتنا العربية، اعتادت المرأة أن تكون مصدر القوة والتحمل والعطاء اللامحدود. تربت على أن تكون الأم الحنون التي لا تشتكي، والزوجة الصبورة التي تتحمل، والبنت العاقلة التي تضع الجميع قبل نفسها. ورغم كل ذلك، نادرًا ما تجد الوقت لتسأل نفسها: هل أنا بخير فعلًا؟ هل ما زلت قادرة على الاحتمال بنفس الهدوء؟ أم أن داخلي يحتاج إلى من يسمعه ويحتويه؟

القوة الحقيقية ليست في الصمت، بل في الاعتراف بالتعب. ليست في تجاهل الألم، بل في مواجهة الذات بشجاعة. فالمرأة التي تعترف بأنها مرهقة لا تقل قوة عن تلك التي تقف شامخة في وجه العواصف، بل ربما تكون أقواها، لأنها اختارت أن تنقذ نفسها قبل أن تنكسر.

الاهتمام بالصحة النفسية ليس رفاهية كما يظن البعض، بل هو أساس الحياة المتوازنة. فالمرأة التي تهتم بنفسها وتمنح روحها لحظات من الهدوء، وتسمح لنفسها بالراحة والفرح والحديث الصادق مع من تثق به، ليست أنانية، بل واعية ومدركة أن العطاء لا يكون إلا من قلب ممتلئ وسليم. من لا يعتني بنفسه، لا يستطيع أن يمنح الطمأنينة أو الحب أو الأمان للآخرين.

في اليوم العالمي للصحة النفسية، على كل امرأة أن تتذكر أن من حقها أن تتعب وأن تبكي وأن تتوقف قليلًا دون شعور بالذنب. من حقها أن تختار نفسها بين الحين والآخر، وأن تقول “لا” لما يؤذيها، وأن تغلق الأبواب التي تستنزف طاقتها مهما كان شكلها. لا بطولة في إهمال الذات من أجل الآخرين، ولا ضعف في الاعتراف بالاحتياج.

ابدئي بخطوة صغيرة، خذي وقتك لتستمعي إلى نفسك، لمشاعرك الحقيقية التي تُدفنينها خلف ضغوط الحياة اليومية. اشربي قهوتك بسلام، اقرئي كتابًا يلمس روحك، اخرجي للهواء الطلق، تحدثي مع صديقة قريبة أو متخصص نفسي إن احتجتِ. لا تنتظري أن ينهار كل شيء لتبدئي في إنقاذ نفسك.

في هذا اليوم، وجّهي نظرك إلى مرآة روحك، وانظري إلى تلك المرأة التي أعطت كثيرًا وما زالت قادرة على الحب والعطاء رغم كل ما مرت به. قولي لنفسك بثقة وامتنان: “أنا أستحق أن أكون بخير، لأنني إنسانة قبل أن أكون أمًا أو زوجة أو ابنة.” كوني لنفسك أولًا، فالعالم يحتاج إليك قوية وسليمة، لكن الأهم أن تحتاجي أنتِ نفسك بخير وسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى