
بخلاف السياسيين الذين تقتضي طبيعة عملهم ومهامهم الوظيفية عدم الادلاء بكل شيء وعدم الإجابة الكاملة على أسئلة الصحفيين، أرى أنه من المنطقي أن تأتي أي إجابة على أي سؤال واضحة وصريحة. فلا معنى على الإطلاق من أن يسأل مريض طبيبه عن حالته الصحية فيجيب إجابات تتراوح بين وعود بالشفاء العاجل خلال أيام وتنبيه بقرب الوفاة ووجوب “فتح التربة” منذ الآن لزوم “التهوية”.
أعرف أن البعض قد ينتقد هذا ويقول إنه ليس كل ما يُعرف يُقال، وأن من الأفضل من باب الكياسة والحكمة أو حتى من باب الإنسانية ألا يُقال كل شيء. هذا مفهوم، ولكن مع الوقت ومع التجارب الحياتية وصلت إلى قناعة أن “صدمة الواقع” خير ألف مرة من “حلاوة الخيال”.
على أي حال، ما دفعني للحديث عن هذا الأمر شيء مختلف تمامًا. فخلال الفترة السابقة تابعت العديد من اللقاءات التلفزيونية والمحادثات بين الأصدقاء، وكذا أيضًا المشاركات والمداخلات في العديد من الندوات والمؤتمرات، وهالني ما تابعت.
يسأل المذيع أو المحاور سؤالًا محددًا عن موضوع محدد، فتأتي الإجابة تتلامس مع هذا الموضوع من بعيد فيما لا يزيد عن 10 إلى 20% من الحديث، مع 80% في فرعيات تمت أو لا تمت لموضوع السؤال بصلة.
الإشكالية تكمن في الفخ الذي قد يقع فيه المحاور أحيانًا حين ينجرف إلى تلك الفرعيات، وتزداد التساؤلات الأخرى، ومن تساؤل لتساؤل، ومن إجابة لإجابة، نجد الحوار ينتهي بكلام آخر يبعد كل البعد عن الموضوع الأصلي، ويجد المستمع نفسه في حيرة، ويتساءل بينه وبين نفسه: أين الإجابة وما علاقة كل ما قيل بالسؤال أو بإجابته التي كان ينتظرها؟
الإشكالية أن هذا الأمر قد يحدث أيضًا في الأبحاث والدراسات وفي الرسائل العلمية. الكثير من الكلام ومن الفصول، والقليل من معالجة الموضوع الأصلي. قد يحدث هذا أيضًا في العديد من الكتب والإصدارات، فتجد عنوان الكتاب الجذاب غير مستوفٍ بالقدر المطلوب أو المتوقع بين ثنايا الكتاب ولا بين فصوله.
هذه الآفة، وهكذا أراها وأسميها، حاولت أن أعرف السبب وراء انتشارها وتوصلت إلى عدد من الاستنتاجات منها أن الشخص المسؤول لا يعرف في الموضوع الذي سُئل عنه بالقدر الكافي من العمق أو أنه يخجل من الإعلان عن جهله، أو يستغل عدم معرفة السائل بالموضوع فيغرقه في تفاصيل وفرعيات، وهو متأكد من أن دفة الحوار ستميل وربما تستقر عند موضوع آخر يستطيع الحديث عنه.
قد يكون السبب أيضًا – وهذا نادر – أن الشخص لديه علم غزير ومعرفة كبيرة بالموضوع، ولكنه لا يستطيع ترتيب أفكاره ولا يستطيع السيطرة عليها، فلا يعرف كيف يرتب الأولويات، فهو يرى أن الموضوع وكل فرعياته على نفس القدر من الأهمية، وتلك مشكلة أخرى.
لا أستطيع أن أكون سليم النية واستبعد آفة “الاستعراض” التي يقوم بها البعض فيتحدث بلا انقطاع، متصورًا أن “ما قل ودل” قد يدل على قلة معرفته وعلمه بالموضوع ذاته.
النتيجة النهائية تكون “وقت كثير مهدر” و”حيرة هائلة” تصيب المشاهد أو المتابع، فلا هو حصل على إجابات واضحة ولا هو سلم من “صداع نصفي” يحتاج إلى الكثير من الأدوية والمشروبات الساخنة.



