من “أم كلثوم” إلى “أحمد شوقي”.. ماذا يحدث في شوارع مصر؟

لم يكن يدور في ذهن محبي “كوكب الشرق” أم كلثوم ولا الولهين بما جادت به قريحة “أمير الشعراء” أحمد شوقي من شعر أن يأتي اليوم ليقفوا متفرجين وهناك من يعبث بهذه الرموز التي أحبوها.
فما بين ضياع الشاهد التاريخي لقبر شوقي وغيره من الرموز التاريخية، ستبقى تلك القصائد التي أبدعها تبكي جحود من بعده، ممن لا يستطيعون أن يقدروا رمزية الشاعر الكبير، والذي ترك لنا أكثر من 23 ألف بيت شعري في عشرات القصائد والدواوين والمسرحيات الشعرية.
والحال من بعضه عند السيدة أم كلثوم، تلك التي شدت فأطربت، وغنت فأبدعت، حتى جعلت كلمات العربية تنساب على ألسنة الفلاحين كخرير الماء إلى الوادي، كيف لا وهي التي كتب لها أساطين عصرها، فجاءت حفلاتها بأجمل ما كتب أحمد رامي وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي وغيرهم.
ولعل حظها، أو قل خيبتنا معها لا تقل خيبة عن شاهد “شوقي” الذي ضاع تحت عجلات “البلدوزر”، فجاء رياح السينما بما لا يشتهيه محبوها، ليعرض الفيلم المصري الذي يحكي قصتها بإنتاج وفريق عمل مصري وصمة تبرز أسوأ ما عندها، فذهب الكثير من الجمهور إلى أن الفيلم يسلط الضوء على كونها بخيلة، وهي التهمة التي لا يبرح عن ترديدها الجهلاء دون أن يتكلفوا عناء القراءة، كما جاءت أحداث الفيلم بعيدة عن عظمة ما قدمته كوكب الشرق من رحلة خالدة في خدمة وطنها وصون الكثير من قصائد اللغة العربية، التي منحتها الحياة لأجيال وأجيال.
غنت أم كلثوم من أشعار شوقي الكثير من القصائد، من بينها “ولد الهدى”، وقصيدة سلوا قلبي في مدح الرسول محمد ﷺ، ألّفها الشاعر أحمد شوقي في عشرينيات القرن العشرين، وغنّتها أم كلثوم عام 1946.
وعلى أنغام العبقري رياض السنباطي، الذي انفرد بتلحين القصائد التي غناها أم كلثوم لشوقي؛ حيث لحن لها رياض السنباطى نحو 10 قصائد، وبدأت أم كلثوم تقديم مجموعة من تلك القصائد عام 1946، ومنها: سلوا كؤوس الطلا، سلوا قلبي، السودان، نهج البردة، ولد الهدى، وتلتها مجموعة من القصائد فى الأعوام التالية، وهي: اتعجل العمر، إلى عرفات الله، بأبى وروحى الناعمات، الملك بين يديك، النيل (من أى عهد).
ولم تخف أم كلثوم عمق العلاقة التي جمعتها بأمير الشعراء، وإن شابها ما يشوبها بعد تحزب البعض إلى موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وهو ما عكر صفة علاقة الست وأحمد شوقي قليلًا، حيث روت أم كلثوم قصة أغنية كتبها شوقي ولم تغنها إلا بعد وفاته، وذلك في لقاء إذاعي مع الإعلامي وجدي الحكيم، مشيرة إلى شوقي كتب لها قصيدة لم تنشر في دواوينه وهي قصيدة سَلوا كؤوسَ الطِلا، فهي أحيت حفلًا في منزل أمير الشعراء، كرمة ابن هانيء على النيل، ليعرض عليها شوقي المال مقابل غناءها، مما جعلها تشعر بالغضب الشديد، وذهب شوقي لمصالحة أم كلثوم في اليوم التالي، فتقول للإعلامي وجدي الحكيم: “تاني يوم الحفلة، قالوا لي شوقي بيه تحت، قولتلهم الله إزاي كده؟”، موضحة أنها نزلت إليه لمقابلته، فوجدت أنه يحمل ظرفًا بيده، وشعرت بالغضب مرة أخرى، مشيرة إلى أنها ظنت أنه سيعطيها المال للمرة الثانية.
“دي حاجة من وحيك”، هكذا قال شوقي لأم كلثوم بعدما هددته بقطع الظرف وهي تظن أن بداخله المال، حيث أخبرها أن ما بداخل الظرف هو قصيدة كتبها لها من وحي ما سمعه منها وهي تغني، وكانت أغنية سَلوا كؤوسَ الطِلا، التي قدمها لها في ورقة بخط يده.
وفي ثنايا الحلقة الإذاعية ذكرت الست أن شوقي لم يكتب له العيش حتى يسمع الأغنية، حيث لحنتها وغنتها بعد وفاته، لتبقى حية في أذهان الكثيرين من محبي اللغة العربية ومحبي مصر، فهل تتوقف تلك اليد التي لا تكترث بما تضمه شوارع مصر من كنوز؟




