كلام رجالة

“المسحراتي”.. مهنة اختفت أم لا تزال حية؟

أدهم سمحي صلاح

صوت بيعدي قبل الفجر

في كل عام مع قدوم رمضان تتشكل أجواء خاصة لا تشبه أي وقت آخر شوارع تزينت، بيوت استعدت وقلوب تنتظر روح الشهر الكريم وسط كل هذه التفاصيل، يظل هناك صوت قديم ارتبط بذكريات أجيال كاملة صوت المسحراتي وهو يجوب الشوارع قبل الفجر مرددا: “اصحى يا نايم وحد الدايم”.

هذا الصوت لم يكن مجرد وسيلة إيقاظ، بل كان علامة من علامات الشهر، وتفصيلة صنعت جزءا من هويته الشعبية.

المسحراتي حكاية بدأت من زمن بعيد

تعود مهنة المسحراتي إلى قرون طويلة، حين لم تكن هناك ساعات أو هواتف ذكية، فكانت مهمته تنبيه الناس لموعد السحور، فيمشي بطبلته أو دفه بين البيوت، وينادي أهل الحارة بأسمائهم وكانوا قديما يقولون: “الجار قبل الدار”. والمسحراتي كان بالفعل جارًا يعرف الجميع ويحرص على ألا يفوته أحد.

لم يكن حضوره عابرا، بل كان جزءاً من المشهد الرمضاني، مثل الفانوس ومدفع الإفطار وجوده يمنح الشارع حياة حتى في أوقات السكون.

بين الأمس واليوم.. هل تغير الدور؟

مع تطور الحياة ودخول التكنولوجيا كل بيت، أصبح المنبه الإلكتروني يؤدي المهمة بسهولة ضغطة زر كافية لإيقاظ أسرة كاملة، هنا بدأ البعض يظن أن المسحراتي انتهى دوره.

لكن الحقيقة أن دوره تغير أكثر مما اختفى، لم يعد ضرورة كما كان، لكنه تحول إلى رمز وكما يقول المثل الشعبي: “اللي له أصل ما يموتش”. قد يقل حضوره في بعض المناطق لكنه لا يزال موجودًا في أحياء شعبية وقرى كثيرة، يحافظ على طقس رمضاني قديم يمنح الشهر طعمه الخاص.

في الذاكرة الشعبية والفن ارتبطت صورة المسحراتي بالوجدان المصري والعربي، خصيصًى بعدما قدمه فنانون في أعمال إذاعية وغنائية أبرزهم سيد مكاوي الذي رسخ شخصية المسحراتي في الإذاعة، وجعلها أقرب للناس بصوتها وأدائها المميز.

بهذا الشكل، لم تعد الشخصية مجرد مهنة، بل أصبحت رمزاً ثقافياً وفنياً يعيش في الذاكرة، حتى لدى من لم ير مسحراتي في الشارع من قبل.

لماذا نتمسك به؟
قد لا نحتاج اليوم لمن يوقظنا، لكننا نحتاج لما يربطنا بجذورنا، والمسحراتي يذكرنا ببساطة الزمن القديم، وبالعلاقات الدافئة بين أهل الحارة، وبروح المشاركة التي تميز رمضان.

هناك مثل يقول القديم أحسن من الجديد لو فيه روح، وربما هذه هي الفكرة، التكنولوجيا أسرع، لكنها بلا صوت إنساني، بلا طبل يرن في السكون، وبلا مناداة تحمل أسماء الناس بحب.

بين الاختفاء والاستمرار

إذن، هل اختفت المهنة؟
الإجابة الأدق، أنها لم تعد كما كانت، لكنها لم تختف تماما هي مستمرة في بعض الأماكن، وتستعاد في فعاليات تراثية وثقافية، وكأن المجتمع يحاول أن يحافظ على جزء من ذاكرته الجماعية المسحراتي اليوم لم يعد مجرد منبه، بل أصبح رمزا للهوية، ودليلا على أن بعض التفاصيل الصغيرة قادرة على مقاومة النسيان.

المسحراتي ليس مجرد شخص يحمل طبلة، بل حكاية ممتدة عبر الزمن قد يتغير شكل حضوره، لكن أثره يظل ثابتا في وجدان الناس.
وربما السؤال الأهم ليس هل اختفت المهنة؟
بل هل ما زلنا نمنح تراثنا المساحة التي يستحقها ليبقى حيا بيننا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى