كاتب ومقال

«أفيون الهوانم وعُري القصور»

بقلم: سمر مرسي

هل انتحر الفن خلف قضبان الرفاهية؟

ما هذا «الكوكتيل» من الزيف الذي يُصب في عقولنا كل ليلة! ولماذا يصر صناع الدراما على حبسنا داخل أسوار القصور هكذا، فلا نرى إلا وجوهًا مدهونة بمساحيق الترف، وقلوبًا لا تنبض إلا بالمكائد والخيانات!

إننا نتساءل بمرارة الثمانينيات وإصرارها على كشف المستور: هل اعتزلت الفنون الجميلة قضايا الناس، وقررت أن تقضي وقتها في «صالونات» الطبقة المخملية، لتبيع لنا أوهامًا من الكريستال والرخام؟! لقد سقطت الدراما، يا للأسف، في فخ الأناقة الفارغة، وصار المشاهد يتابع «كتالوج» للأزياء والأثاث، بدلاً من أن يرى صراعات إنسانية حقيقية تليق بأمة تبحث عن ذاتها.

إن المتأمل في حال شاشتنا اليوم، يجدها قد حصرت كل إبداعها في «مثلث الرذيلة الشيك»، حيث تدور الأحداث حول رجل أعمال مودرن وخيانة تتم في الخفاء، وكأن مجتمعنا قد اختُصر في حفنة من المترفين الذين لا تشغلهم إلا النميمة وصراعات الميراث.

هذا «الاستسهال» هو نوع من الهروب الفني إلى الأمام، وإغراق للمشاهد في «أفيون» بصري مخدر، بينما يتجاهل المؤلفون عمدًا تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع عظمة الإنسان البسيط في معركته اليومية، وهي معركة لا تحتاج إلى فخامة الديكور لتثبت نبلها.

ولا يغيب عن فطنة القارئ أن استهداف جمهور المقاعد الأولى لم يكن محض صدفة؛ فقد ارتبطت هذه “التيمة” تاريخيًا بما يُعرف بـ (الـ Soap Opera) أو دراما الظهيرة، التي صُممت خصيصًى لتغازل عواطف المرأة الجالسة في بيتها. إن صناع الدراما اليوم يعيدون إنتاج ذات الخلطة القديمة؛ دغدغة المشاعر عبر ثنائية «الرفاهية المفرطة» و«عذاب الحب»، ليصنعوا من هذا المزيج «أفيونًا» يُبقي الهانم مشدودة إلى الشاشة، غارقة في عالم مخملي يسرقها من قضاياها الحقيقية ويحبس وعيها في زجاجة عطرٍ باردة.

لقد تحول الإبداع إلى «اسطمبات» جاهزة تُسحب من أدراج المكاتب؛ فلا فرق بين مسلسل يُعرض اليوم وآخر عُرض العام الماضي، وكأننا أمام ماكينة إنتاج تقذف لنا بنفس الوجوه ونفس الديكورات ونفس الصفعات، دون أدنى محاولة لكسر هذا القالب الصديء.
إننا نعيش عصر «الدراما المعلبة»، دراما الكومباوند التي تُصنع بآلات المصانع، لا بأقلام المبدعين، حيث البطل دائمًا وسيم والبطلة دائمًا في كامل زينتها، حتى في لحظات الانكسار، في مشهد يقتل منطق الفن ويغتال عقل المشاهد الذي ملّ من أكل نفس الوجبة الباردة بأسماء مختلفة.

والحقيقة أن الخطورة لا تكمن في تصوير حياة الأثرياء، بل في تحويل الثراء إلى «صنمٍ يُعبد»؛ فحين تكتفي الدراما بدور الدليل السياحي في الفيلات الفارهة، فهي تمارس «استعلاءً» فجّاً على المواطن الكادح، وتوهمه بأن مشاكله وأحلامه وقلقه على لقمة العيش ليست موضة ولا تستحق الشاشة.
لقد تحول المشاهد إلى «متلصص» يراقب حياة غريبة عنه، مما خلق فجوة شعورية جعلت العمل الدرامي مجرد ضجيج أنيق ينتهي مفعوله بمجرد ظهور كلمة النهاية.

والمؤسف حقًا، أن هذا الإسراف في مظاهر البذخ جعل الفن يغترب عن نبض الناس؛ فالفن الذي لا يتنفس بـ «رئة الغلابة» هو فن ميت مهما لمعت أضواؤه. إن حصر البطولة في شخصيات «البابيون» خلف الأسوار العالية جعل القصص تبدو كأنها تُحكى لأشباح، وغيّب عنا البطولة الحقيقية في كفاح العامل وصبر الأم وطموح الشاب المكافح.

إننا بحاجة إلى ثورة تقلب موازين «الجمال المزيف»، وتُعيد للبساطة كرامتها، فالعظمة تكمن في هز القلوب بحكاية صادقة، لا في جعل الخيانة هي الموضة الوحيدة لكل مسلسل.

إننا نرفع الستار اليوم لنكشف «عورة» هذا التَكرار الممل، في دعوة صريحة لاستعادة «هيبة الفن». لا نحتاج لمزيد من الثريات، بل نحتاج لنور الوعي في العقول، ولدراما تنبض بقلب الإنسان الذي يسير في الزحام، لا الذي يختبئ خلف الأقنعة المخملية. فهل يملك مخرجو اليوم الشجاعة لخلع «بدلة السهرة» والنزول إلى تراب الواقع، أم سيبقى فننا سجين قصر تسكنه أشباح الخيانة إلى الأبد؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى