قهوة العلومكاتب ومقال

حين يتحول علم النفس إلى محتوى: كيف شوّهت صفحات السوشيال ميديا فهمنا للعلاقات؟

بقلم: وفاء حسن

في السنوات الأخيرة، ومع التوسع الهائل في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت موجة كبيرة من الصفحات والحسابات التي تتناول موضوعات العلاقات الإنسانية وعلم النفس. هذه الصفحات تقدم نفسها أحيانًا باعتبارها مصادر للفهم والتحليل، وتستخدم لغة تبدو علمية أو إعلامية، مليئة بالمصطلحات النفسية والتحليلات السلوكية. غير أن المتأمل في هذا المشهد يكتشف مفارقة لافتة: كثير من أصحاب هذه الصفحات ليسوا متخصصين لا في الإعلام ولا في علم النفس، ومع ذلك أصبحوا يقدّمون أنفسهم باعتبارهم مرجعيات في فهم العلاقات الإنسانية.

هذه الظاهرة لم تعد مجرد محتوى عابر على الإنترنت، بل تحولت إلى خطاب واسع الانتشار يؤثر في وعي المتابعين وطريقة فهمهم لأنفسهم ولعلاقاتهم. فالمصطلحات النفسية التي كانت في الأصل جزءًا من سياق علمي دقيق، أصبحت تُستخدم اليوم بشكل فضفاض وسريع في منشورات قصيرة ومقاطع فيديو لا تتجاوز دقائق معدودة. كلمات مثل “نرجسي”، و”متلاعب”، و”سامّ”، و”تلاعب عاطفي” باتت تُلقى بسهولة في النقاشات اليومية، حتى أصبح الحكم على الأشخاص يتم أحيانًا من خلال هذه التصنيفات السريعة التي تفتقر إلى أي أساس علمي راسخ.

المشكلة لا تكمن فقط في استخدام المصطلحات، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها العلاقات نفسها. كثير من هذه الصفحات تقدّم العلاقات بوصفها ساحة صراع نفسي، أو لعبة مناورات بين طرفين، حيث يتحول كل طرف إلى مشروع محلل نفسي للآخر. بدلاً من أن تكون العلاقة مساحة للتفاهم والنضج الإنساني، يتم تصويرها كمعركة خفية من السيطرة والتلاعب، وكأن الهدف ليس بناء علاقة صحية، بل اكتشاف “نقاط ضعف” الطرف الآخر والتعامل معها كتكتيك.

هذا الخطاب، الذي يبدو للوهلة الأولى جذابًا لأنه يمنح المتابع شعورًا بالفهم والقدرة على التحليل، يحمل في طياته تبسيطًا مخلًا لطبيعة العلاقات الإنسانية. فالعلاقات بطبيعتها معقدة، تتداخل فيها الخلفيات النفسية والتجارب الشخصية والظروف الاجتماعية والثقافية. ولا يمكن اختزالها في مجموعة من القواعد الجاهزة أو النصائح السريعة التي تصلح لكل الناس وفي كل السياقات.

الأخطر من ذلك أن بعض هذه الصفحات تقدّم صورة نمطية شديدة الاختزال للمرأة داخل العلاقات. ففي كثير من المحتوى المتداول يتم وضع المرأة في قالب واحد ضيق: امرأة لا يشغلها شيء في الحياة سوى البحث عن رجل أو الحفاظ عليه. وكأن حياة المرأة وطموحاتها وتجاربها الإنسانية الواسعة يمكن اختزالها في هذا البعد الوحيد. هذا التصوير لا يظلم المرأة فحسب، بل يختزل أيضًا طبيعة العلاقات الإنسانية نفسها ويحوّلها إلى معادلات سطحية.

وفي المقابل، يتم تصوير الرجل أحيانًا باعتباره الطرف الذي يجب اكتشاف “ألاعيبه” أو “تفكيك استراتيجياته”، فيتحول الطرفان إلى شخصيات داخل لعبة نفسية لا تنتهي. وبدلاً من أن تُبنى العلاقات على الثقة والتفاهم والمسؤولية المشتركة، يتم تقديمها كمساحة للشك الدائم واليقظة المستمرة تجاه نوايا الآخر.

ولعل ما يزيد من تعقيد هذه الظاهرة أن نجاح هذه الصفحات وانتشارها لا يأتي من فراغ. فالجمهور نفسه يشارك في صناعة هذا النجاح من خلال المتابعة والمشاركة والتفاعل المستمر. كل إعجاب أو مشاركة أو تعليق يساهم في دفع هذا النوع من المحتوى إلى مزيد من الانتشار. ومع الوقت يصبح هذا الخطاب هو الصوت الأعلى في النقاش العام حول العلاقات.

لكن المشكلة الأساسية تظل في الخلط بين المعرفة الحقيقية والمحتوى السريع. فالعلم، خصيصًى علم النفس، يقوم على دراسات طويلة وبحوث منهجية وتجارب علمية معقدة. أما المحتوى المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فيعتمد غالبًا على التبسيط الشديد، وأحيانًا على الانطباعات الشخصية أو التجارب الفردية التي يتم تعميمها وكأنها حقائق عامة.

إن تحويل المصطلحات النفسية إلى أدوات للتصنيف السريع بين الناس يحمل خطرًا آخر، وهو خلق ثقافة من الأحكام المتعجلة. فبدلاً من محاولة فهم الآخر أو الحوار معه، يصبح من الأسهل أن نصفه بأنه “نرجسي” أو “متلاعب”. وهكذا تتحول اللغة النفسية من أداة للفهم إلى أداة للإدانة.

كما أن هذا الاستخدام غير الدقيق للمصطلحات يسهم في تشويه المفاهيم العلمية نفسها. فاضطرابات الشخصية، على سبيل المثال، هي موضوعات علمية معقدة لا يمكن تشخيصها إلا من خلال مختصين مؤهلين وبعد تقييمات طويلة ودقيقة. أما استخدامها في النقاشات اليومية لوصف أي سلوك غير مرغوب فيه فهو تبسيط يفرغ المفهوم من معناه العلمي.

في النهاية، لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت الباب أمام مشاركة المعرفة بشكل واسع، وهو أمر إيجابي في حد ذاته. لكن هذا الانفتاح نفسه يفرض مسؤولية أكبر على من يقدّم المحتوى وعلى من يتلقاه. فليس كل ما يُقال بلغة علمية هو علم، وليس كل من يستخدم مصطلحات نفسية يمتلك بالضرورة معرفة حقيقية بها.

إن العلاقات الإنسانية أعمق وأكثر تعقيدًا من أن تُختزل في نصائح سريعة أو تحليلات جاهزة. وهي، قبل كل شيء، تجربة إنسانية قائمة على الوعي والنضج والمسؤولية المشتركة. أما تحويلها إلى ساحة للاتهامات والتصنيفات النفسية السريعة، فهو لا يساعد على فهمها بقدر ما يزيدها تشويهًا وتعقيدًا.

ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس فقط: من يتحدث عن العلاقات على وسائل التواصل؟ بل أيضًا: لماذا نمنح هذا الخطاب كل هذه السلطة على فهمنا لأنفسنا وللآخرين؟ ففي زمن أصبح فيه الجميع قادرين على الكلام، تظل القدرة على التمييز بين المعرفة الحقيقية والمحتوى العابر مسؤولية لا تقل أهمية عن المعرفة نفسها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى