
ونحن نحتفي بذكرى انتصارات السادس من أكتوبر، كان لمنصة كلمتنا هذا اللقاء مع
اللواء أركان حرب وائل عبد الحكم العبد، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
السؤال الأول: ما أبرز ما يميز عقيدة الجندي المصري في القتال؟
هذا سؤال مهم جداً؛ لأننا بالفعل نتحدث عن ظاهرة فريدة في الأمور العسكرية كلها، وهي طبيعة الجندي المقاتل المصري.
ببساطة، هو يمتلك طبيعة وطنية: بمعنى أنه لا ينتمي إلا للوطن. قد يكون في ديانته مسلماً أو مسيحياً، ولكنه يعتنق حب الوطن لكي لا يجزئ الانتماءات أو الولاءات الخاصة بالقوات المسلحة المصرية.
قدرته الفائقة في القتال: والتي تتفوق على فكرة أن تكون المعدة حديثة أو صعبة أو كبيرة. وأدلل على كلامي بـ: كيف يستطيع فرد جندي مقاتل أن يحدث باقتناص الدبابات أو بقاذف «آر بي جي» الصغير هذا، كمّاً هائلاً من الخسائر في صفوف العدو؟ فبالتالي، طبيعة الجندي المصري إذا ما أُحسن تدريبه وأُحسن التخطيط له، يكون داعماً للقوات المسلحة وللدولة بصفة عامة.
القدرة العالية على تحمل الصعاب: وهذا ما رأيناه من خلال تميزه في أن يتحمل ظروفاً صعبة جداً لمُدد طويلة جداً. وربما رأينا أناساً حتى أيام الحرب لم تكن تنزل إجازات بالس سنوات، واستمر تجنيدهم لما يزيد عن التسعة أعوام، وبالرغم من ذلك كان صبوراً ومؤمناً بقضيته.
الفدائية الشديدة: فهو لا يخاف الموت، ومؤمن جداً بأن وطنه يستحق أن يضحي بروحه وبكل ما يملك لأجله.
وأخيراً، كجزء من المميزات التي عرضتها في الجندي المصري، أنه اليوم لا يمكن قياس قدرته ولا وطنيته بالحسابات الرياضية العادية؛ فلا أحد يستطيع أن يفاجئ العالم كله -حتى كل الخبراء العسكريين، وحتى المهندسين، وكل من هم قائمون على العمليات البحثية الأكاديمية- بكفاءة الجندي المصري التي تخطت كل المقاييس التي تم تدريسها في الجامعات.
فإذاً، جملة ما أقوله: عندما يكون المكون الأساسي للقوات المسلحة المصرية هو الجندي المصري، فبالتالي عندما أتحدث عن الجندي المصري فأنا أتحدث عن طبيعة خاصة جداً تستطيع تغيير موازين القوى التي تُحسب بالقدرات التقليدية العادية، وكل ما قلته هذا جزء وليس كل شيء.
السؤالُ الثاني يقول: «كيف ترى التنسيقَ بين مصرَ وسوريا في الحربِ وأثرَه في النصر؟»
سأضربُ هنا مثالاً بسيطاً؛ فقد تستطيعُ الدولُ المعاديةُ القتالَ بتفوقٍ عندما تكون الجبهةُ واحدةً، ولكن عند القتالِ على جبهاتٍ متعددةٍ يظهرُ أن ثمةَ مشكلةً. وهذا ما جعل إسرائيلَ تعيدُ النظرَ في عقيدتِها العسكريةِ وتدريباتِها عندما تواجهُ أكثرَ من جبهةٍ.
وهنا، فإن وجودَ سوريا كجبهةٍ في حربِ عام 1973م جعل القدراتِ الدفاعيةَ الإسرائيليةَ عاجزةً عن مواجهةِ جبهاتٍ متعددةٍ بشكلٍ مفاجئٍ. وقد كان لهذا أثرٌ بطبيعة الحال؛ إذ وُجدت صعوبةٌ في مواجهةِ أكثرَ من جبهةٍ وقوةٍ، مما أدى إلى تغييرِ عقيدةِ الردعِ الإسرائيليةِ التي كانت تعتمدُ على العمقِ الجغرافيِّ أو التفوقِ العدديِّ.
السؤال الثالث هنا يقول: “اختارت الجماعات الإرهابية اغتيال الرئيس السادات، فكيف ترون خطر هذه الجماعات على الشباب وسُبل مواجهة ذلك؟”
سؤالٌ في الصميم ومهمٌّ جدًّا، ولكن نريد أن نتحدث عن الجماعات الإرهابية بصفتها إحدى الجماعات التي تحمل السلاح في مواجهة الدولة القومية أو الوطنية.
هي في النهاية جماعاتٌ تتبنى العنف، ويكون الغرض الرئيسي من نشاطاتها في النهاية اغتيال رموز القوة في الدولة؛ سواء كانت قيادات سياسية، أو أجهزة أمنية، أو أجهزة سيادية لها طابع السيطرة على الأرض مثل القوات المسلحة أو الشرطة؛ فهي دائمًا تلعب في هذه المنطقة.
وهنا أريد أن أوضح جزئيةً مهمةً جدًّا، وهي الفرق بين القوات المسلحة النظامية والقوات المسلحة غير النظامية:
-القوات المسلحة النظامية: هي قواتٌ لها قيادةٌ مسؤولة، تستطيع من خلالها إنفاذ القانون بالقوة المسلحة في معظم الأحوال.
– القوات المسلحة غير النظامية: ليس لها قيادةٌ مسؤولة، وتتبنى فكر المذاهب أو الأعراق أو الإثنيات أو المعتقدات في بعض الأحيان؛ ولهذا السبب هي دائمًا تتبنى الخطاب الديني كإحدى لغات الحشد.
إذن، نحن هنا فهمنا الفرق بين الاثنين.
أما المشكلة في الجماعات المسلحة غير النظامية، فهي أنه ليس لها قيادةٌ مسؤولة، وقد تتبنى جماعةٌ منها فكرًا معينًا وتتوسع في التسليح وما إلى ذلك؛ لذا فإن خطورة هذا الموضوع تتمثل في أنه أول عامل من عوامل انهيار الدول؛ بمعنى أنه دائمًا ما تتشرذم القوة داخل الدولة، ونجد أن هذه الجماعات لها طبيعةٌ انتشارية تنتشر في مناطق عدة، وطبيعةٌ عابرةٌ للحدود تنقلها من مكان إلى آخر، ودائمًا ما تتسم بمجموعة من الصفات:
– الصفة الانفصالية: وتحدث دائمًا بين الأقاليم البعيدة عن العاصمة والتي تحتوي على موارد.
– الطابع الإجرامي الربحي: ويكون في المناطق التي تضم موارد وعلى ممرات العبور (أي المناطق التي تُعد مناطق عبور بين قارة وأخرى أو بين دولة وأخرى)، فتتمركّز في هذه الجزئية.
-الطابع الانفصالي الإقليمي: حيث تسعى إلى الانفصال بإقليم معين، وهذا ما رأيناه في أماكن كثيرة.
لكن دائمًا ما يكون المورد الطبيعي عاملًا مهمًّا جدًّا في هذا الموضوع، إلى جانب مشكلاتٍ مثل التصحر والجفاف وعدم وجود تنمية.
بناءً عليه، يمكن مواجهة الجماعات الإرهابية من خلال التنمية عبر:
– خلق بيئةٍ عمرانيةٍ طاردةٍ لمثل هذه الأنشطة العابرة للحدود.
– تحقيق وصول الدولة إلى الأطراف والمناطق النائية.
وكل ما تحدثت عنه لا يغني عن فكرة احتلال الميدان لمواجهة هذه الجماعات بصفة عامة، بل يجب أن يُدعم بكل الإجراءات السالف ذكرها. وقد تَبنّت الدولة المصرية هذا الفكر وطبّقته بنجاحٍ وتفوقٍ كبيرين.
هنا السؤال الثالث يقول: «قدم الشعب المصري ملحمة في تحمل تبعات الحرب الاقتصادية، إلى أي مدى نجح ذلك في تحفيز الجنود على القتال واسترداد الأرض؟»
هنا سأضرب مثالاً؛ سأقول إن معظم الأسر -وهي المكون الرئيسي للشعب المصري- قد أرسلت فلذات أكبادها وأبناءها في فكرة الدفاع عن الوطن. وطبعاً هذه في حد ذاتها تضحية كبيرة جداً وإيمان، بل بالعكس، فهناك أناس وأمثلة كثيرة جداً من الإيثار والبطولات في هذا الإطار؛ إذ دعت أبناءها وأوصتهم ألا يعودوا إلى البيت إلا بعد تحقيق النصر، وهذا ما رأيناه.
أما الأمر الثاني فهو الدعم المعنوي والمادي بكافة أشكاله؛ فقد رأينا مصر بالكامل تحارب بكافة فئاتها وشوائحها ومؤسساتها -على مستوى الدولة- في فكرة إعداد الدولة للحرب. وكيف تحملنا؛ حيث أذكر -على سبيل المثال- أنه كانت هناك أزمات تحدث في السلع الأساسية مثل: الأرز، والسكر، والشاي، وغيرها من المواد؛ إذ استغنت الجماهير عن احتياجاتها من هذه المواد في مقابل نصرة دولتها في هذه الأزمة.
فهنا يتضح مدى القوة التي تظهر، والتي تستطيع اختراق المستحيل عندما يتم التلاحم بين الشعب، والجيش، والقيادة السياسية.
بخصوص السؤال عن سبب عدم تدشين منصة لتوثيق ذكريات أبطال أكتوبر لتحكي للأجال المقبلة؛ بدايةً، إن ذكريات حرب أكتوبر -بدءًا من فكرة النكسة والهزيمة وصولًا إلى النصر- موجودة بالفعل، وتتبناها جهات معينة؛ حيث تتبنى القوات المسلحة توثيق وثائق حرب أكتوبر وذكرياتها.
ولكن الأهم من ذلك هو تنفيذ أنشطة خاصة بأبنائنا في مختلف المراحل الدراسية وتفعيلها بشكل مستمر، لزيارة الأماكن التي تضم المتحف والذكريات، مثل: “بانوراما حرب أكتوبر”، و”تبة الشجرة” في السويس؛ ليتعرفوا على تلك الأحداث، ويبقى في أذهانهم دائمًا أن فكرة النصر مرتبطة بالحياة العصرية التي نعيشها.
ويتحقق ذلك من خلال وجود بنية أساسية قوية وخدمات تصل إلى المواطن، وهي أمور مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفكره منع الدمار الذي قد تسفِر عنه الحروب. إن منع الدمار الناتج عن الحروب يرتبط بامتلاك قوات مسلحة قوية استطاعت في الماضي خوض حروب حققت نوعًا من الردع والشعور بالقيمة الحقيقية للقوات المسلحة المصرية وقوة الدولة بوجه عام بكافة أشكالها -سواء القوى الناعمة، أو القوى الشاملة، أو الاقتصادية، أو بنية الدولة الأساسية، والأهم من ذلك تماسك الجبهة الداخلية.
فضلاً عن ذلك، فإننا نخوض حاليًا حروبًا ذات طابع مرتبط بالتطور التكنولوجي، والتي تؤثر على عقول الشباب وميولهم وآرائهم. ولعل أكبر دليل على ذلك هو وجود أزمات في المحيط الإقليمي، وكيف تستمر مصر—بحفظ الله—في مواجهة هذه الأزمات.
بالطبع، ربما وصلتُ إلى بداية إجابة السؤال الأخير، وهو المرتبط بمسألة الحروب الحالية، والتي تشهد تنافسًا في استخدام الذكاء الاصطناعي والمسيّرات. حسناً، ما رسالتكم إلى الشباب؟ وما أهمية احتراف هذه المجالات؟
في الحقيقة، هو عبارة عن ثلاثة أسئلة في سؤال واحد؛ سنتحدث عن مسألة الحروب الحالية: هي مزيج في النهاية، حروب هجينة تجمع بين القوى الصلبة وأحيانًا كثيرة القوى الناعمة. لكنني أريد أن أقول لك إن أكثر الفئات استخدامًا للتكنولوجيا عمومًا—وبالأعداد—هي الفئة العمرية التي تبدأ من سن أواخر الطفولة وبداية المراهقة، وصولاً إلى نهايات مرحلة الشباب، وهذه بالطبع مرحلة عمرية صعبة جدًا.
من خلالها، كيف أستطيع أن أميز بين:
الرسالة الموجهة: التي يُقصد بها التأثير والتشكيك؛ التأثير على الحالة المعنوية وإحداث نوع من الإحباط (كيف أستطيع تمييز ذلك؟).
التشكيك في مقدرات الدولة: والتشكيك في التاريخ، والمعتقدات، والثوابت، والقيم.
كل أنواع التشكيك هذه يتم ممارستها على الشباب من كل اتجاه. يجب أن تكون هذه المسألة حاضرة؛ فأنا لا بد أن أستخدم التكنولوجيا، ولا بد أن أستخدم الهاتف المحمول بكل صوره وكل أجياله، ولكن أستطيع التمييز بين رسالة التشكيك التي قد تجعلني أدخل في معضلة (“معضلة” أو “حيرة”) تجعلني أشُكّ في قياداتي، وفي حكومتي، بل وحتى في ديني، وأسرتي، وأبي، وأمي، والمعلمين. كل هذه التحديات يواجهها الشباب بشكل يومي.
فإذا أردنا ترجمتها على مستوى الجموع بصفة عامة، ستجدها نوعًا من أنواع الحروب التي نواجهها بشكل يومي.
أما مسألة تكنولوجيا التسليح -والتي ترتبط دائماً بفكرة أن هناك قوى جوية قوية مثلاً، ففي مواجهتها نقوم بتقوية دفاعاتنا الجوية، أو إذا لم تكن لدي إمكانية امتلاك صواريخ بعيدة المدى بقدرات معينة، فنبدأ بتطوير استخدام الصواريخ باليستية، ثم بعد ذلك المسيّرات بكل أشكالها ومدياتها- فهي في النهاية تطور طبيعي يحدث لنوعية السلاح وفقًا لكل مسرح عمليات ومتطلباته.
ولكن في النهاية، لا بد أن يكون في مواجهة ذلك أيضًا تطور من نوع آخر يواجه نوعية السلاح. وكلاهما مرتبط بمجموعة من البحوث والدراسات، وهناك وعي كافٍ جداً لدينا -والحمد لله- بكل هذه المخاطر ونعمل عليها؛ وإلا، وأود أن أدلل على كلامي، لو حدث وإن ضعفت بأي شكل من الأشكال، فلا أعتقد أن أحداً سينتظر؛ لأن مصر دولة مستهدفة منذ قديم الأزل.



