رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| المتحف المصري الكبير على أبواب الافتتاح.. الحضارة تواجه حاضر الاضطراب

لا يمكن أن نقرأ خبر اقتراب افتتاح المتحف المصري الكبير بوصفه حدثا ثقافيا أو سياحيا فحسب فالمسألة تتجاوز جدرانا ضخمة تضم آثارا فريدة لتصل إلى كونها لحظة فاصلة بين زمنين: زمن الاضطراب الذي يطوّق العالم وزمن القدرة على استعادة اليقين. المتحف ليس مجرد مخزن للتماثيل والبرديات، بل هو نصّ مادي يقدّم للعالم حكاية شعب صاغ التاريخ بالحجر، ثم يعود اليوم ليقدّم نفسه من جديد في صورة حضارية تليق بمكانته.
في قلب هذه اللحظة تبدو القاهرة وكأنها تخاطب العالم بلغتين؛ لغة الماضي التي تتجسد في تماثيل خوفو ورمسيس وتوت عنخ آمون ولغة الحاضر التي تُترجمها الهندسة المعمارية المبهرة والتكنولوجيا التي تجعل من زيارة المتحف تجربة حيّة وليست مجرد فرجة عابرة. إنه جسر حضاري يربط ما كان بما هو كائن ويُشير إلى ما يمكن أن يكون.
العالم اليوم مأزوم يواجه صراعات لا تنتهي وحروبا تستنزف الطاقات وأزمات اقتصادية تعصف بالاستقرار. وسط هذه الصورة القاتمة يأتي افتتاح المتحف المصري الكبير بمثابة إعلان صريح أن الحضارة الحقيقية لا تنكسر وأن مصر ـ التي وُلدت فيها أول دولة مركزية على وجه الأرض ـ قادرة على إعادة صياغة الأمل حتى في زمن الانكسارات.
المتحف ليس رسالة لمصر وحدها بل للإنسانية كلها. حين يرى الزائر الأجنبي ذلك البناء المهيب على مشارف الأهرامات يدرك أن ثمة أمة استطاعت أن تحفظ ذاكرتها رغم تقلبات العصور، وأن تنقلها إلى أبنائها وإلى العالم باعتبارها جزءا من ذاكرة البشرية. فالتاريخ الذي وُلد على ضفاف النيل لم يكن ملكا للمصريين فقط بل صار ملكا للإنسانية جمعاء.
ومن هنا فإن المتحف لا يُختزل في افتتاح رسمي أو في صور تنشرها وكالات الأنباء بل هو بداية مرحلة جديدة من استعادة الريادة الثقافية. فبينما ينشغل العالم بالرهانات العسكرية والسياسية تختار مصر أن تضع على الطاولة بطاقة أخرى: بطاقة الحضارة ، التي تعطيها شرعية أقوى من كل السلاح، وأعمق من كل ضجيج.
الحضارة المصرية لم تكن يوما انعزالا عن العالم بل كانت انفتاحا دائما على الآخر. من التجارة مع فينيقيا إلى العلاقات مع اليونان والرومان ، كانت مصر دائما مركزا للتواصل والتبادل. واليوم يترسخ هذا الدور عبر المتحف المصري الكبير الذي لن يكون متحفا صامتا بل منصّة حوار بين الثقافات وملتقى للعقول ومدرسة للتاريخ الإنساني.
افتتاح المتحف في لحظة عالمية تتسم بالاضطراب يمنح الرسالة مزيدا من القوة. وكأن مصر تقول: بينما ينهار النظام الدولي، ويبحث العالم عن معنى جديد للشرعية فإن الشرعية الحقيقية تكمن في القدرة على البناء في الاحتفاظ بالذاكرة وفي إحياء ما يربط البشر بعضهم ببعض. الحضارة هنا تتحول إلى درع ضد الفوضى وإلى بوصلة ترشد الأجيال القادمة في زمن الارتباك.
لقد خاضت مصر في العقدين الأخيرين معارك كبرى من الإرهاب إلى الأزمات الاقتصادية ، لكنها كانت تعرف دوما أن قوتها ليست فقط في جيشها أو سياستها ، بل في جذورها الحضارية. والمتحف المصري الكبير تجسيد لهذه الحقيقة: أنه لا يمكن أن تُهزم أمة تملك هذا العمق التاريخي ولا يمكن أن تفقد بوصلتها أمة لديها إرث يعلّمها كيف تنهض كل مرة.
حين يدخل الزائر إلى قاعة توت عنخ آمون أو يقف أمام تمثال رمسيس الثاني سيشعر أن الماضي ليس مجرد ذكرى بل طاقة حيّة تتجدد في الحاضر. وحين يرى المصري نفسه بين جدران هذا المتحف سيدرك أنه امتداد لسلسلة طويلة من العظمة وأنه ليس ابن أزمة آنية بل وريث حضارة ضاربة الجذور. تلك هي الرسالة الكبرى: أن نعيد تعريف أنفسنا في مواجهة حاضر مضطرب عبر استدعاء ما يثبت أننا أكبر من اللحظة وأقوى من العاصفة.
إن المتحف المصري الكبير ليس مشروعا هندسيا فقط بل مشروع هوية. هوية تعلن أن مصر ـ وسط عواصف السياسة والاقتصاد ـ ما زالت قادرة أن تعطي للعالم ما ينقذه من الانكسار: ذاكرة، حضارة، ومعنى. وفي النهاية قد يختلف العالم حول خرائط وحدود وسياسات لكنه سيبقى مدينا لمصر بأنها منحت البشرية أعظم ما يمكن أن يُمنح: اليقين بأن الحضارة هي الجدار الأخير أمام الانهيار.
وبينما تُفتح أبواب المتحف الكبير قريبا لا نحتفل فقط بالماضي بل نُطلق إشارة للمستقبل: أن مصر التي بنت الأهرام وشيّدت عاصمة حديثة وواجهت الإرهاب تضع اليوم على عاتقها مهمة أكبر أن تُعيد للإنسانية ثقتها بأن ما يربطها أعمق من كل صراع وأن ما يجمعها أبقى من كل نزاع. تلك هي القوة التي تصنعها الحضارة حين تواجه حاضر الاضطراب.

