إبداعات كلمتنا| “غير صالح للبهجة”

في اللحظة الأولى بعد خروجه من المبنى القديم الشاهق الإرتفاع، وقف وإلتفت بجسده ورفع رأسه بحدة متحديًا ألم غضروف رقبته المتهالك ونظر للمبنى نظرة فاحصة طويلة وشعر ببداية دوار خافت وتسرب لعقله إحساس لم يتوقعه أبدًا قبل هذه اللحظة،
ألوان المبنى بالية باهتة والكشوط والجروح والنتؤات تشوه جدرانه بشكل قاس كأنه عجوز هِرم يجاهد لصلب ظهره، لم يلحظ جدران مبنى الهيئة من قبل، شرد وحاول عصر ذاكرته دون جدوى، الحقيقة أنه طوال سنوات عمله حتى بلوغه سن المعاش لم يدقق مرة واحدة ولا من باب الفضول في جدران وحوائط المبنى وهيئته الخارجية، حماسه كان دائمًا يشغل عقله عما سواه،
الكل يعرفه.. الكل يحمل له الحب والتقدير،
دخوله وخروجه من المبنى كان محاط دومًا بالتحيات والإبتسامات المتبادلة مع زملائه أو تلك الوقفات السريعة من أجل تحية خاصة أو طلب من أحدهم معتمدًا على سمعته في مساعدة الآخرين، سنوات وسنوات من العمل لم يجد بينهم لحظة تأمل واحدة لرؤية المبنى كوحدة مجردة واستيعاب مدى هزاله وإنحناءه وفقد طلته وشموخه وضياع هيبته وسط كم هائل من البنايات الحديثة شاهقة الإرتفاع،
زفر بشجن أكثر من ثلاثون عامًا مروا من عمره كأنهم مجرد ثوان وجر قدميه مغادرًا حياته المهنية بلا أدنى أمل في عودة، سُنة الحياة التي لن تغير قوانينها وفرماناتها من أجله أو من أجل ألف غيره،
حفل توديعه وبلوغه سن المعاش لم ينقصه أي شئ على الإطلاق مما يشبهه من حفلات، الهدايا الرمزية، تلاميذه، أمنيات حياة جديدة أفضل وأهدأ، كل شئ معتاد ومعروف ما عدا شئ واحد فقط، لم يبتسم.. وإن فعلت ذلك ملامحه دون إرادته، مجرد إبتسامة بلاستيكية تشبه الإبتسامات البلهاء لقناعات الأطفال في أعياد الميلاد،
كثيرًا ما تُظهر الملامح أشياء لا تعرف عنها الأرواح أي شئ، مشاعر الجميع بدت حقيقية ووثقتها كاميرات الهواتف، لكن التكنولوجيا لم تنجح بعد في تصوير وتوثيق ما تضمره القلوب والنفوس،
مجرد نصف ساعة وبعدها بدأت الجموع تقل وتقل حتى وجد نفسه وحيدًا بصحبة ساعي مكتبه واقفًا بجواره حاملًا علبة متوسطة الحجم من القطيفة الزرقاء اللون ويجاهد في تثبيت الإبتسامة فوق شفتيه وينتظر بفارغ الصبر مغادرة المدير المحال للتقاعد لإغتنام فرصة إنتهاء يوم عمله قبل نصف عدد ساعات العمل،
حمل العلبة القطيفة وحده ونساها تمامًا وغادرت ذاكرته فور جلوسه خلف مقعد القيادة في سيارته وتركها فوق المقعد الخلفي، العودة للمنزل في هذا الوقت تجربة جديدة لم يجربها من قبل، الشوارع أكثر هدوءًا وعدد العربات أقل بوضوح وإختفاء واضح للمتعجلين عشاق الإستخدام المفرط لآلة التنيه، حالة جديدة عليه جعلته يتحرك بسيارته بهدوء يعادل هدوء الشارع،
الشقة تضج بصمت مسموع أصاب أذنيه بطنين فور جلوسه في الصالة وإنتباهه أنه نسى العلبة القطيفة في سيارته، أشعل سيجارة ولم يجد بجسده طاقة لصنع فنجان قهوة وشرد وتذكر تلك العبارات التي طالما سمعها من شقيقته الأكبر مئات المرات قبل رحيلها وهى ترجوه أن يفعلها ويتزوج حتى يجد من يؤنس وحدته في كبره، إبتسم فمه منفردًا تلقائيًا إبتسامة سخرية وهو يرى صورة فتاة خمرية بأعين سوداء وجبهة بارزة وفم لا يتوقف عن الهجوم والإنتقاد تتجسد أمام ذاكرته جعلته يتنهد بحسرة،
لو أنه كان أكثر مرونة.. لو أنها كانت أكثر طيبة،
ربما كانت حياته برمتها قد تغيرت، ربما كان ذلك كفيلًا أن ترحل شقيقته وهى مطمئنة على شيخوخته، نفذ السهم ومر العمر وغابت الوجوه وتاهت القلوب وكالعادة لا تتغير النهايات مهما تكرر سرد الحكايات،
إحتياجه للسيجارة الثانية حمسه لدخول المطبخ وصنع فنجان قهوة تقديرًا وإحترامًا لها، عقله أصابه حماس أكبر وقرر مواجهته بالأسئلة والإحتمالات، لعلها متاحة الآن، أصبحت أرملة أو مطلقة، أي شئ يسمح له بطمأنة شقيقته في قبرها،
كل ما عليه فعله البحث عنها ومعرفة حالها وحياتها، البحث لن يكون سهلًا وأيضا لن يكون بتلك الصعوبة التي تمنعه عن الفعل،
أصابه التوتر وهو يشعر ببوادر بهجة تتسرب إلى قلبه، رغبة الجسد في البهجة تفتح له أبواب المستحيل في تحقق الأمنيات، قد يجدها وتجده ويعود ما كان.. لا يزال في العمر بقية،
بلا شك مازالت جميلة كما كانت، من يشبهها لا تترك السنوات أثرها فيهم بسهولة، العودة بينهم لن تحتاج أكثر من نظرة متبادلة تعيد عمر كامل مر كساعة إنتظار في محطة قطار،
الوقت مازال مبكرًا، لا شئ يعوقه عن البدء على الفور دون تأخير، بدّل ملابسه وأعاد رش العطر حول عنقه وهو يشعر بشئ ينمو ويتأكد داخل صدره، أصاب جبينه العرق وتسلل لياقة قميصه وشعر ببداية إختناق دفعه للعودة للجلوس فوق أريكته المفضلة في صالة شقته،
شعر أنه يبذل مجهود ليتنفس، إنها طبيعة البهجة بلا شك،
أمسك بحافظة نقوده وأخرج من باطنها صورة قديمة شبه بالية لها، إبتسم وهو يحدق فيها حتى بدأت رؤيته تُشوش وتتلاشى ببطء وتدريج وتُحكم البهجة قبضتها عليه وتسحبه لعالمها ويسقط ذراعه بجواره وهو مازال ممسكًا بصورتها وإبتسامة بهجته سكنت ملامحه بثبات تام.




