كاتب ومقال

ضاع المسك في سوق البصل

هل تراجع الفن، أم تراجع من يقيمه؟!

مع تزايد منصات العرض الرقمية، ومنافستها للقنوات الفضائية المتعددة، وتزامن ذلك مع إقبال الجماهير العريضة على التقاط ترندات السوشيال ميديا ومتابعتها، غَمَر سوق الإنتاج الدرامي بسيل جارف من الأعمال، بحيث يمكننا القول بثقة أن المشهد الثقافي والفني لم يعد يعاني من فقر الإنتاج بقدر ما أتخمته فوضى التقييم. أعمال جادة تُهمَّش، وأخرى هشة تتصدر المشهد، لا لأنها أعمق أو أصدق، بل لأنها الأعلى ضجيجًا. وبين هذا وذاك، تتآكل القدرة على التمييز، ويختلط المعنى بالاستعراض، ليصبح السؤال: ماذا حلّ للفن؟

في هذا السياق، لم يعد المثل الشعبي «ضاع المسك في سوق البصل» مجرد استعارة، بل توصيف دقيق لواقع تُقاس فيه القيمة بمعايير لا علاقة لها بالقيمة بذاتها. فالمسك، رمز الجودة والندرة، لا يفقد قيمته في ذاته، لكنه يفقد أثره ويصبح غير مرئي حين يوضع في بيئة لا تملك حاسة الشم أصلاً، ولا تميز بين العطر والرائحة النفاذة. ويصبح السوق هنا استعارة عن المشهد الثقافي حين يُدار وفق منطق الانتشار السريع لا الجودة. وهذا ما أدى إلى تشكل آليات جديدة قوامها الكم لا الكيف.

آليات السوق وهيمنة الكم:

لقد أدت هيمنة مؤشرات الكم، مثل نسب المشاهدة وحجم التفاعل والشهرة العابرة، ومقدار التفاعل على السوشيال ميديا… إلخ، إلى إعادة تشكيل الذائقة العامة. في هذا المناخ، تحول المسك من رمز لعلو القيمة إلى البصل الذي يجسد الكثرة والابتذال والرائحة الطاغية.

والأمر لا يعيب المسك ، بل يدين السوق. فالقيمة لم تتراجع في ذاتها، وإنما تلاشت داخل سياق لم يعد يعترف بها. وفي المشهد الثقافي المعاصر، يتكرر هذا الأثر: نصوص جادة تُلقى في منصات لا تكترث بالمعنى، وأعمال فكرية تُزاحمها تفاهة عالية الصوت، حتى يصبح العمق عبئًا، والسطحية شرطًا للانتشار.

على أنقاض النقد تُتوَّج سطوة التفاعل:

المفارقة تكمن في أن هذا «السوق» لا يرفض الأعمال الجادة صراحة، بل يتجاهلها، يمر عليها مرور العابر، لا لأنها عديمة القيمة، بل لأن الحواس اعتادت الضجيج وفقدت حساسيتها تجاه العبير الخفيف الذي يحتاج إلى اقتراب وتأمل. ويكمن الإشكال في فضاء لم يعد يمتلك أدوات التمييز، وهذا ما يتجلى في تراجع دور النقد الفني بوصفه سلطة تصحيح وتقييم، لصالح مؤشرات سطحية مثل عدد المتابعين وحجم التفاعل.

مع هذا التحول، لم تعد النصوص والأعمال تقاس بعمقها أو إضافتها المعرفية، بل بقدرتها على إثارة الجدل أو مواكبة الترند. هكذا، يذوب الفارق بين العمل الإبداعي والعمل الاستهلاكي، ويُدفع الجاد إلى الهامش.

حين يصبح القبح هو المعيار:

يكمن المأزق لهذا الوضع لا في تهميش الجيد، بل في إعادة تعريف الرديء بوصفه المعيار السائد. فحين يطول المقام بالبصل، يصبح هو الرائحة الطبيعية، ويصبح المسك نشازًا. عندها لا يضيع العطر فحسب، بل تضيع القدرة على إدراكه أصلاً.

هذا المعنى ينسحب على مجالات أوسع من الثقافة؛ في التعليم، حين يصبح الحفظ أهم من الفهم، وفي العمل، حين تطغى العلاقات على الكفاءة، وفي الإعلام، حين يُقاس النجاح بعدد المشاهدات لا بعمق الأثر.

إن استمرار هذا الوضع يفرغ الثقافة والفن من دورهما النقدي والتنويري، ويحولهما إلى مجرد محتوى سريع التلف، يُستهلك ويُنسى. وحين يفقدان وظيفتهما في طرح الأسئلة ومساءلة الواقع وتوسيع أفق الوعي، تتلاشى قيمتهما وتصبخ مجرد استهلاك عابر.

دور الجمهور ومقاومة الإغراء السهل:

الخلط في المعايير رغم سيطرة السوق، لا يعني أن على الجمهور أن يستسلم. فهو ليس مجرد متلقي سلبي، بل شريك فعال في تحديد ما هو قيّم. جزء أساسي من الحل يكمن في تدريب حاسة الذوق؛ أي مقاومة الإغراءات السهلة والأصوات العالية، والبحث الواعي عن «الأعمال الجيدة» بدلاً من الانجراف خلف الكثرة المبتذلة.

هذا التدريب يتطلب وعيًا يُمكّن الفرد من فلترة المحتوى ورفض أن تكون الكثرة هي مقياس الجودة الوحيد. كما يتطلب إعادة تفعيل لدور المؤسسات الثقافية والإعلامية ومنصات النقد المستنير كبوصلة للمتلقي. وعندما يرتفع طلب الأفراد الواعي، تظهر الأعمال الجادة وتجد مكانها، وهذا هو ما يعيد التوازن إلى سوق الفن والثقافة.

الخروج من فوضى المعايير:

من هنا، لا يُقرأ هذا المثل بوصفه بكاء على زمن جميل مضى، بل إنذار نقدي يطرح مسؤولية جماعية. وحين يضيع المسك في سوق البصل، ليس المطلوب هو إنقاذ المسك، بل إعادة النظر في السوق كله وتغيير البوصلة التي تدار بها ساحتنا الثقافية والإعلامية. يجب أن يُعاد بناء هذا الفضاء ليجد فيه المسك –رمز الإبداع الأصيل– المكانة التي يستحقها، وليس تلك التي يفرضها الضجيج إلى الأبد.

بقلم: سمر مرسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى