كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| بين الصبر الاقتصادي والضغط الاجتماعي

بقلم: شحاتة زكريا

في اللحظات الفاصلة من عمر المجتمعات لا يكون التحدي الحقيقي في حجم الأزمات بقدر ما يكون في قدرة الناس على الاحتمال وفي قدرة الدولة على إدارة هذا الاحتمال بوعي وإنصاف. فالاقتصاد لا يقاس فقط بمعدلات النمو أو مؤشرات الأداء بل يُقاس قبل ذلك بمدى شعور الناس بالعدالة وبقدرتهم على الصبر دون أن يتحول الصبر إلى عبء خانق أو إحساس دائم بالضغط.

الحديث عن الصبر الاقتصادي بات حاضرا في كل بيت لكنه يختلف من مكان إلى آخر. فالصبر الذي يُطلب من المواطن ليس رقما في تقرير ولا معادلة في دراسة بل تجربة يومية تبدأ من فاتورة تُراجع أكثر من مرة ، وتنتهي بتساؤل صامت حول الغد. هنا لا يصبح الاقتصاد علما مجردا بل واقعا إنسانيا شديد القرب من الأعصاب والقلوب.

المشكلة لا تكمن في فكرة الصبر نفسها فالشعوب التي صنعت تاريخها عرفت الصبر جيدا وتحملت ما هو أقسى. لكن الفارق الدقيق يكمن في الإحساس بالمعنى. حين يشعر الناس أن ما يتحملونه جزء من مسار واضح ، وأن التضحيات موزعة بعدالة يتحول الصبر إلى قوة. أما حين يغيب الشرح أو يضعف الإحساس بالإنصاف فإن الصبر يتحول تدريجيا إلى ضغط اجتماعي مكتوم.

الضغط الاجتماعي لا يظهر فجأة في شكل احتجاج أو غضب معلن بل يتسلل ببطء. نراه في لغة الناس في نبرة الحديث في القلق العام الذي يسكن التفاصيل الصغيرة. يظهر في تراجع القدرة على التخطيط وفي خوف غير معلن من المفاجآت. هذا النوع من الضغط أخطر من الأزمات الظاهرة لأنه يعمل في العمق ويعيد تشكيل المزاج العام دون أن يلفت الانتباه.

في المقابل لا يمكن تجاهل حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدول في عالم مضطرب تتغير فيه الأسواق وتشتعل فيه الصراعات وتتراجع فيه اليقينيات. الإصلاح الاقتصادي في جوهره ليس خيارًا سهلا ولا طريقًا قصيرا لكنه ضرورة تفرضها الحسابات الكبرى. غير أن نجاح أي إصلاح لا يتوقف فقط على دقته الفنية بل على طريقة تقديمه وعلى لغة التعامل مع الناس بوصفهم شركاء لا متلقين.

الناس لا تطلب المستحيل ولا تنتظر وعودا براقة لكنها تحتاج إلى الصدق. تحتاج إلى خطاب يشرح قبل أن يطلب ويقنع قبل أن يحمل ويعترف بالصعوبة بدلا من تجاهلها. فالمواطن حين يفهم يتحمل أكثر وحين يشعر أنه جزء من الصورة يصبح الصبر قرارا واعيا لا حالة اضطرار.

من هنا يصبح التواصل أحد أهم أدوات الإدارة الاقتصادية. فغياب الشرح يفتح الباب للتأويل ويترك مساحة للشائعات ويضاعف الإحساس بالضغط. في زمن السرعة لا يكفي أن تكون القرارات صحيحة بل يجب أن تكون مفهومة. ولا يكفي أن تتخذ الإجراءات بل يجب أن تشرح آثارها بوضوح حتى لا تتحول الفجوة بين الأرقام والواقع إلى فجوة ثقة.

الضغط الاجتماعي إذا تُرك دون انتباه لا يهدد الاستقرار فقط بل يستهلك الطاقة المعنوية للمجتمع. وعندما تُستنزف هذه الطاقة يصبح أي إنجاز اقتصادي مهددا بفقدان أثره. فالاقتصاد في النهاية يعيش داخل مجتمع وإذا تعب المجتمع تعب الاقتصاد معه مهما بدت المؤشرات مطمئنة على الورق.

التوازن المطلوب ليس سهلا لكنه ممكن. توازن بين ضرورة الإصلاح وحماية الفئات الأكثر تأثرا بين لغة الأرقام ولغة البشر بين الصبر المطلوب والضغط المحتمل. هذا التوازن لا يتحقق بالشعارات بل بالسياسات التي ترى الإنسان قبل المؤشر وتدرك أن العدالة الاجتماعية ليست رفاهية بل شرط للاستمرار.

في اللحظات الصعبة تتكشف معادن المجتمعات وتظهر أهمية القيادة الواعية والإعلام المسؤول والنخبة القادرة على الشرح لا التبرير. فالكلمة هنا لا تقل أهمية عن القرار والنبرة لا تقل أثرا عن المضمون. كلمة واحدة صادقة قد تخفف من ثقل مرحلة كاملة كما أن تجاهلا بسيطا قد يضاعف الإحساس بالضغط.

بين الصبر الاقتصادي والضغط الاجتماعي يقف المجتمع عند نقطة دقيقة. إما أن يتحول الصبر إلى طاقة بناء وإما أن يتحول الضغط إلى عبء يثقل الخطى. والفرق بين الاحتمالين لا تصنعه الظروف وحدها بل تصنعه طريقة الإدارةوصدق الخطاب وعدالة التوزيع والإحساس الحقيقي بأن الجميع في القارب نفسه.

في النهاية لا يُطلب من الناس أن يصبروا إلى ما لا نهاية ولا من الدولة أن تحل كل شيء دفعة واحدة. المطلوب فقط هو هذا الخيط الرفيع من الثقة الذي حين يتماسك يحتمل الجميع العبور وحين ينقطع يصبح الطريق أكثر وعورة. وبين هذا وذاك يبقى الوعي هو الضمانة الأولى والإنسان هو المعادلة الأصعب والأهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى