كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| اقتصاد الدعم.. بين الكفاءة والعدالة الاجتماعية

بقلم: شحاتة زكريا

يظل ملف الدعم أحد أكثر القضايا الاقتصادية حساسية وتعقيدا في الدول النامية ليس فقط لما يمثله من عبء على الموازنات العامة بل لما يحمله من أبعاد اجتماعية وإنسانية تمس حياة ملايين المواطنين. وبينما تتجه الحكومات إلى إعادة هيكلة منظومات الدعم بحثا عن الكفاءة وترشيد الإنفاق يظل السؤال الجوهري مطروحا: كيف نوازن بين كفاءة الاقتصاد وعدالة المجتمع دون أن يدفع الأضعف الثمن؟

الدعم في جوهره ليس منحة بل أداة سياسة عامة تهدف إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. لكنه مع مرور الوقت تحول في كثير من التجارب إلى بند مالي ضخم تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات السياسية والاجتماعية وتظهر حوله إشكاليات الاستهداف والهدر وسوء التوزيع. ومن هنا جاء الجدل الدائر اليوم حول التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي أو المزج بينهما كجزء من محاولة إصلاح لا يمكن تأجيلها.

الدعم العيني بصورته التقليدية يقوم على توفير السلع الأساسية بأسعار مدعومة أو عبر بطاقات تموينية. ميزته الأساسية تكمن في ضمان وصول السلع إلى مستحقيها والحد من تأثير تقلبات الأسعار على الأمن الغذائي. كما يمنح الدولة قدرا من السيطرة على الأسواق ، ويحد – نظريا – من تآكل القوة الشرائية للفئات محدودة الدخل. لكن هذه المنظومة ليست بلا كلفة. فالتجربة أثبتت أن الدعم العيني يعاني من مشكلات هيكلية ، أبرزها تسرب الدعم لغير المستحقين وارتفاع تكاليف النقل والتخزين وفتح أبواب للفساد والوساطة فضلا عن ضعف الكفاءة الاقتصادية.

في المقابل يُنظر إلى الدعم النقدي باعتباره أكثر مرونة وكفاءة من حيث الإدارة. فهو يمنح المواطن حرية الاختيار ويقلل من الأعباء اللوجستية على الدولة ويساعد على توجيه الموارد بشكل مباشر إلى المستفيد النهائي. كما أنه أكثر قابلية للتحديث وربطه بقاعدة بيانات دقيقة بما يسمح بتحسين الاستهداف وتقليل الهدر. غير أن هذه المزايا تصطدم بواقع اقتصادي لا يمكن تجاهله يتمثل في التضخم وارتفاع الأسعار ما قد يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم النقدي، ويجعل أثره الاجتماعي أقل مما هو مخطط له.

هنا تظهر الإشكالية الحقيقية .. الكفاءة الاقتصادية وحدها لا تكفي. فسياسات الدعم لا تُقاس فقط بحسابات الترشيد والعجز المالي بل بقدرتها على حماية السلم الاجتماعي والحفاظ على تماسك الطبقة الوسطى التي تمثل العمود الفقري لأي استقرار اقتصادي وسياسي. إن أي إصلاح للدعم يتجاهل هذا البعد مهما بدا ناجحا على الورق سيظل مهددا بالفشل على أرض الواقع.

التجارب الدولية تشير إلى أن الحل لا يكمن في الاختيار الحاد بين الدعم النقدي أو العيني بل في تصميم نموذج هجين يراعي خصوصية المجتمع والمرحلة الاقتصادية. دعم نقدي مرن مرتبط بمؤشرات الأسعار إلى جانب دعم عيني ذكي للسلع الاستراتيجية قد يكون صيغة أكثر توازنا. الأهم من ذلك هو بناء منظومة استهداف دقيقة تعتمد على بيانات محدثة وتُخضع باستمرار للمراجعة والتقييم حتى لا يتحول الدعم من أداة حماية إلى عبء مزمن.

كما أن العدالة الاجتماعية في سياسات الدعم لا تعني فقط حماية الفقراء بل ضمان توزيع عادل لتكلفة الإصلاح. فالمواطن البسيط لا ينبغي أن يشعر بأن الإصلاحات الاقتصادية تُفرض عليه وحده بينما تبقى فجوات الدخل والتهرب الضريبي والاقتصاد غير الرسمي خارج نطاق المساءلة. العدالة هنا شرط للقبول المجتمعي وليست مجرد شعار أخلاقي.

من زاوية أخرى لا يمكن فصل اقتصاد الدعم عن مسألة الوعي. فإدارة هذا الملف تتطلب خطابا صريحا وشفافا يشرح للمواطنين أسباب الإصلاح وأهدافه وحدوده. الغموض يولد الشك والشك يضعف الثقة والثقة هي العملة الأهم في أي تحول اقتصادي. حين يشعر المواطن أنه شريك في القرار لا مجرد متلق لآثاره يصبح الإصلاح أكثر قابلية للاستدامة.

في النهاية يظل اقتصاد الدعم اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين منطق السوق واعتبارات المجتمع. الكفاءة مطلوبة، نعم لكن دون أن تتحول إلى رقم مجرد يفتقد الروح. والعدالة الاجتماعية ضرورة لكن دون أن تُستخدم ذريعة لتأجيل الإصلاح. بين هذين الحدين تتحدد جودة السياسات العامة ونجاحها.

القضية إذن ليست دعما نقديا أو عينيا بل رؤية شاملة ترى الإنسان قبل البند والاستقرار قبل المؤشر والعدالة قبل الكفاءة المجردة. حينها فقط يمكن لاقتصاد الدعم أن يتحول من عبء ثقيل إلى أداة ذكية توازن بين ضرورات الإصلاح وحقوق المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى