كاتب ومقال

العنف الأسري بعد الطلاق: جريمة صامتة

بقلم: وفاء حسن

لم تعد قصص العنف الأسري مجرد حوادث فردية عابرة، بل صارت مرآة موجعة لخلل عميق في العلاقات الأسرية، خاصة بعد انفصال الأب والأم. في كثير من البيوت، لا ينتهي الصراع بالطلاق، بل يبدأ شكل أكثر قسوة منه، حيث يتحول الأبناء إلى ضحايا غير مرئيين لمعركة لا ذنب لهم فيها.

حين ينفصل الوالدان دون وعي أو نضج نفسي، قد يتحول الحب الطبيعي للأبناء إلى وسيلة للانتقام. بعض الآباء أو الأمهات لا يرون في أطفالهم سوى صورة للطرف الآخر، فيُسقطون عليهم غضبهم، ويُفرغون فيهم إحباطهم، وكأن الطفل صار تهمة أو عبئًا أو شاهدًا على فشل علاقة لم تُدر بإنسانية. هنا يبدأ العنف، ليس دائمًا بالضرب، بل بالإهمال، بالقسوة، بالحرمان، وبكلمات تترك جروحًا أعمق من أي كدمة.

العناد بين الوالدين بعد الانفصال يُعد من أخطر أشكال العنف غير المباشر. كل طرف يحاول إثبات أنه الأقوى أو الأصح، حتى لو كان الثمن نفسية طفل تتشوه، وأمانه ينهار. يتحول الطفل إلى ساحة صراع، تُشد روحه من اتجاهين، دون أن يُسأل عمّا يشعر به أو يحتاجه. ومع الوقت، يكبر وهو يحمل داخله خوفًا دائمًا، وشعورًا بالذنب، وربما كراهية للحياة نفسها.

السؤال المؤلم ليس فقط: كيف حدث هذا؟ بل: كيف سمحنا لأنفسنا أن نصل إلى هنا؟ كيف تحوّل الخلاف بين بالغين إلى عقاب يُنفذ على أضعف طرف؟ الإجابة تكمن في غياب الوعي، وفي ثقافة ترى أن الأطفال ملكية، لا أرواح مستقلة لها حقوقها. تكمن أيضًا في صمت المجتمع، وفي تبرير العنف باسم التربية أو الغضب أو الظروف.

العنف الأسري بعد الانفصال لا يصنع فائزين. هو فقط يصنع أطفالًا مكسورين، يحملون آثار الألم معهم إلى المستقبل، ويعيدون إنتاجه دون قصد. إن إنقاذ طفل واحد من هذه الدائرة هو مسؤولية الجميع: أسرة، ومجتمع، وإعلام، وقانون. فالأبناء لم يختاروا الانفصال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى