كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| أتعرف ما معنى الكتاب؟

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

القراءة حياة، وبوابتها الكتاب. الكتاب ذاكرة التاريخ والشاهد على البشر، شاهد على ما دار في أذهانهم، وما قاموا به وما حلموا به. الأمم التي كتبت بقيت، والتي لم تكتب مرت كأنها لم تكن. الحضارة تُبنى بالكتب، والمستقبل نراه من خلال الكتب.

الكتاب نور، وبعض الكتب مرايا، وبعض الكتب أبواب، وبعض الكتب متاهات، وبعضها قلاع شامخات. هناك كتاب يوقظك من سبات العادة والكسل، وكتاب يهدم يقينًا فاسدًا ليبني وعيًا جديدًا، وكتاب لا يمنحك جوابًا، بل يُعلّمك كيف تسأل.

الكتاب فرقان بين من يعيش عمرًا واحدًا، ومن يحيا أعمارًا لا تُحصى. كتاب التاريخ يجعلك تعيش قرونًا، وكتاب الفلسفة يعطيك خبرات وتأملات من كتبوه. الرواية تعطيك جمالًا ومعاناة ومشاعر، تجعلك تقفز فوق السنوات والبشر.

بالكتاب تنكشف الغمّة، الكتاب أخلاق واتساع رؤية، الكتاب حرية ودرع. الكتاب معلم وطبيب، بعض الكتب تقرأها والبعض الآخر يجعلُك تقرأ نفسك، أن تضع إصبعك على جرح خفي أو موهبة مدفونة أو أن يعيد ترتيب فوضى روحك أو أفكارك المبعثرة.

الكتاب يكثف الزمن ويختصر السنوات في صفحات، يسمح لك بالعيش في تجارب الآخرين. بالكتاب تتجاوز عمرك إلى أعمار، وسنواتك إلى سنوات، وخبرتك إلى خبرات، ونظرتك إلى نظرات، وأحاسيسك إلى أحاسيس جديدة.

وقد تتحول الكتب إلى قبور حين تُقرأ بلا نقد، وبعض الكتب سجون حين تتوقف عن التفكير والنقد وتستسلم للتصديق التام. إن الكتاب مسؤولية، فالرجل هو الكتاب الذي قرأه. وشرف العقل هو الكتب التي هذبته. بعض الناس يمشون على الأرض فتراهم كأنهم مكتبات حية، والبعض الآخر يسيرون كالموتى لأنه ليس بداخلهم حتى قصاصة صغيرة من كتاب.

أتعرف ما معنى الكتاب؟
هو أن يرفض الإنسان أن يعيش مرة واحدة.
هو أن يقاوم النسيان.
هو أن يحاور الموت بالمعرفة.
هو أن يقول للزمن: لن تمر وحدك.. سأفهمك.

الأمم لا تُقاس بما تملك، بل بما تقرأ، فالكتاب يبني إنسانًا. لهذا كان الكتاب، وسيبقى، أعظم ما اخترعه الإنسان. لا تصدق أن عصر التكنولوجيا سيقضي على الكتاب، وإلا نكون قد حفرنا قبورنا بإرادتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى