من «هنا القاهرة» إلى صناعة الوعي.. عيد الإعلاميين يروي حكاية أصوات صنعت ذاكرة الوطن

في كل أمة محطات مضيئة تظل شاهدة على مسيرتها الحضارية والثقافية، وفي مصر يبقى 31 مايو واحدًا من الأيام الراسخة في الذاكرة الوطنية فهو اليوم الذي انطلق فيه صوت مصر إلى آفاق جديدة، معلنًا ميلاد مؤسسة إعلامية لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الوعي العام وصناعة وجدان أجيال متعاقبة.
ويوافق اليوم عيد الإعلاميين المصريين، الذي يتزامن مع ذكرى انطلاق الإذاعة المصرية في 31 مايو عام 1934، حين صدح الإعلامي والكاتب الكبير أحمد سالم بعبارته الخالدة «هنا القاهرة»، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ الإعلام المصري والعربي ولتنطلق أول إذاعة رسمية حملت صوت الوطن إلى ملايين المستمعين داخل مصر وخارجها.
وفي يوم الافتتاح التاريخي غنت سيدة الغناء العربي أم كلثوم أغنيتها الشهيرة «صوت بلدنا» في لحظة جسدت مكانة الإذاعة الوليدة آنذاك، وأكدت رسالتها باعتبارها منبرًا وطنيًا يعكس نبض المجتمع المصري ويساهم في نشر المعرفة والثقافة والتنوير.
ومنذ ذلك التاريخ أصبح الاحتفال بعيد الإعلاميين في مصر مناسبة سنوية لتقدير أصحاب الرسالة الإعلامية وتكريم الرواد والمبدعين الذين أسهموا في بناء إعلام وطني مسؤول، حمل على عاتقه مهمة تنوير العقول وترسيخ القيم ودعم مؤسسات الدولة الوطنية عبر أداء مهني اتسم بالمصداقية والاحترافية.
مدرسة إعلامية صنعت الوعي
تُعد الإذاعة المصرية واحدة من أعرق المؤسسات الإذاعية في العالم العربي، ومن أوائل المنابر الإعلامية التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والفني والاجتماعي لدى ملايين المستمعين منذ انطلاقها الرسمي قبل أكثر من تسعة عقود، وعلى مدار تاريخها الطويل استطاعت أن تترك بصمة استثنائية في حياة المصريين والعرب، حيث ارتبطت أصوات مذيعيها ومذيعاتها بذكريات لا تُنسى وتحولت برامجها إلى جزء أصيل من تفاصيل الحياة اليومية، بفضل ما قدمته من محتوى متنوع جمع بين الثقافة والفن والمعرفة والترفيه الهادف.
رواد الأسس المهنية
شهدت البدايات الأولى للإذاعة المصرية ظهور نخبة من الإعلاميين الذين وضعوا الأسس المهنية للعمل الإذاعي ورسخوا قواعده، ويأتي في مقدمة هؤلاء الإعلامي والكاتب أحمد سالم أول مذيع بالإذاعة المصرية وصاحب العبارة الأشهر في تاريخ البث الإذاعي العربي «هنا القاهرة»، وهي الجملة التي ظلت لعقود طويلة عنوانًا للإعلام المصري ورمزًا لحضوره وتأثيره.
كما برز اسم الإذاعي الكبير جلال معوض الذي عُرف بلقب «صوت الثورة» حيث لعب دورًا بارزًا في إذاعة البيانات الرسمية ونقل الأحداث الوطنية المهمة، إلى جانب مشاركته في نقل حفلات كوكب الشرق أم كلثوم التي تابعتها الجماهير العربية بشغف كبير.
ومن بين الأسماء التي تركت أثرًا واضحًا أيضًا الإذاعي علي فايق زغلول الذي تميز بأسلوبه الخاص وقدراته المهنية في تقديم برامج المنوعات، ليصبح واحدًا من أبرز رموز العمل الإذاعي في مصر.
أصوات نسائية خالدة
لم يكن نجاح الإذاعة المصرية حكرًا على الأصوات الرجالية بل كان للمرأة المصرية حضور استثنائي أسهم في صنع مجدها الإعلامي، وتتصدر القائمة الإذاعية الكبيرة صفية المهندس التي استحقت عن جدارة لقب «أم الإذاعيين» بعدما قدمت برنامج «إلى ربات البيوت» لسنوات طويلة، محققة نجاحًا جماهيريًا واسعًا ومكانة خاصة لدى المستمعين.
كما سجلت الدكتورة هاجر سعد الدين اسمها بحروف من نور في تاريخ الإعلام الديني، بعدما أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة إذاعة القرآن الكريم وأسهمت من خلال برامجها في نشر الفكر الإسلامي الوسطي وترسيخ القيم الدينية المعتدلة.
وبرزت كذلك الإذاعية سامية صادق التي تألقت في تقديم برامج المنوعات، وكان برنامج «ما يطلبه المستمعون» أحد أبرز المحطات الناجحة في مسيرتها المهنية.
أما إيناس جوهر، فقد استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة خاصة بين كبار المذيعين بفضل صوتها المميز وأسلوبها الراقي، لتصبح واحدة من أشهر الأصوات التي عرفتها إذاعة الشرق الأوسط.
وعندما يُذكر تاريخ الإذاعة المصرية لا يمكن تجاوز اسم الإذاعية الكبيرة آمال فهمي التي نجحت في صناعة تجربة جماهيرية فريدة من خلال برنامجها الأشهر «على الناصية»، الذي ظل لسنوات طويلة نافذة يومية على نبض الشارع المصري وقضايا المواطنين، كما كانت من أوائل من أدخلوا فن الفوازير إلى الإذاعة العربية، لتضيف لونًا جديدًا من الترفيه الثقافي الذي حظي بشعبية واسعة.
وتبقى الإذاعية القديرة فضيلة توفيق المعروفة باسم «أبلة فضيلة» واحدة من أكثر الشخصيات الإذاعية تأثيرًا في وجدان الأطفال والأسر المصرية والعربية، فقد نجحت بصوتها الدافئ وأسلوبها البسيط في أن تصبح رفيقة لأجيال متعاقبة، مقدمة قصصًا وحكايات تربوية ساهمت في غرس القيم والمبادئ لدى الأطفال، وجاء برنامجها الشهير «غنوة وحدوتة» امتدادًا لمسيرة إذاعية متميزة وواصلت من خلاله الرسالة التي بدأها الإذاعي الكبير محمد محمود شعبان الشهير بـ«بابا شارو»، أحد رواد برامج الأطفال في الإذاعة المصرية.





