كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| من الاقتصاد إلى السوشيال.. كيف أصبحت المشاعر قوة سوق؟

بقلم: شحاتة زكريا

لم يعد الاقتصاد في صورته التقليدية قائما فقط على المعادلات الكلاسيكية التي تربط بين العرض والطلب ولا على المؤشرات المالية الصماء التي تتحرك في البورصات وأسواق المال بمعزل عن البشر بل أصبح اليوم أكثر تعقيدا وتشابكا بعد أن دخلت إليه قوة جديدة غير مرئية لكنها شديدة التأثير: المشاعر.. الخوف والطمع والإعجاب والقلق والانبهار لم تعد مجرد حالات نفسية عابرة بل تحولت إلى عناصر فاعلة داخل السوق قادرة على تحريك قرارات الشراء والبيع وتوجيه سلوك المستهلك بل والتأثير على سمعة الشركات في ساعات قليلة.

وفي زمن السوشيال ميديا لم يعد المنتج يقاس فقط بجودته أو سعره بل بما يثيره من إحساس لدى الجمهور وكيف يتم تقديمه بصريا وانفعاليا قبل أي شيء آخر.. التحول الأخطر أن السوق نفسه أصبح أكثر حساسية للمزاج العام. خبر متداول عن شركة أو فيديو قصير لتجربة سلبية أو حتى تعليق من مستخدم مؤثر قد يتحول إلى موجة سلوك جماعي تؤثر على قرارات آلاف أو ملايين الأشخاص. لم يعد القرار الاقتصادي قرارا عقلانيا بحتا كما كان يفترض بل أصبح خليطا معقدا من المعلومات والانطباعات والانفعالات اللحظية..

في السابق كانت العملية الاقتصادية تمر عبر قنوات واضحة: دراسات جدوى، تقارير تحليلية، تقييم مخاطر، ومؤسسات مالية تعتمد على البيانات. أما اليوم فقد دخلت المنصات الرقمية كطرف غير رسمي لكنه شديد التأثير يعيد تشكيل الصورة العامة في لحظات. منشور واحد قد يصنع رأيا عاما ومقطع قصير قد يهز ثقة مستهلكين في علامة تجارية كاملة دون انتظار أي تحقق أو تدقيق..

هذا الواقع الجديد أنتج ما يمكن تسميته باقتصاد الانطباع حيث لا تكفي الحقيقة وحدها بل تصبح الطريقة التي يشعر بها الناس تجاهها هي العامل الحاسم. قد يكون المنتج جيدا من حيث المواصفات لكنه يخسر السوق لأنه لم ينجح في صناعة انطباع إيجابي أو لأنه واجه موجة سلبية على مواقع التواصل تحولت بسرعة إلى حكم غير رسمي عليه..

ومع توسع هذا النمط أصبحت الخوارزميات الرقمية لاعبا رئيسيا في توجيه هذه المشاعر. فالمحتوى الذي يثير التفاعل سواء بالإعجاب أو الغضب أو الدهشة يحصل على انتشار أكبر وبالتالي يصل إلى جمهور أوسع. وبمرور الوقت يصبح ما يثير الانفعال أكثر حضورا من ما يقدم قيمة حقيقية لأن معيار الانتشار أصبح مرتبطا بدرجة التفاعل لا بدرجة الدقة..

هنا تتشكل دائرة مغلقة: محتوى عاطفي يحقق انتشارا الانتشار يولد تأثيرا التأثير يعيد تشكيل السلوك الاقتصادي ثم يعود السلوك ليغذي محتوى جديدًا أكثر حدة. وهكذا يتحول الاقتصاد إلى مساحة تتداخل فيها المشاعر مع القرارات بشكل يصعب فصله أو التحكم فيه بسهولة..

الأمر لا يتوقف عند الاستهلاك فقط بل يمتد إلى الاستثمار والأسواق المالية. فقد أصبح المزاج العام سواء على منصات التواصل أو في الإعلام الرقمي قادرا على خلق تقلبات لحظية في بعض الأسواق. إشاعة أو خبر غير مكتمل قد يدفع المستثمرين إلى البيع أو الشراء بشكل جماعي ليس بناء على تحليل اقتصادي عميق بل استجابة لحالة من القلق أو الحماس.. وفي هذا السياق لم يعد المستهلك أو المستثمر يتحرك فقط وفق احتياجاته الفعلية بل وفق ما يتشكل داخله من شعور نتيجة التعرض المستمر لمحتوى سريع ومكثف. فالتكرار، والتأثير البصري، وسرعة الانتشار كلها عناصر تصنع حالة نفسية جماعية تصبح جزءا من قرارات السوق.. الأخطر أن هذه المشاعر ليست عفوية بالكامل بل يتم توجيهها أحيانا عبر أساليب دقيقة تعتمد على فهم سلوك المستخدمين. المحتوى الذي يثير الخوف أو الفضول أو الإعجاب يحصل على فرص أكبر للظهور ما يعني أن الانفعال نفسه أصبح قابلا للإدارة والتوجيه داخل المنصات الرقمية حتى دون وعي مباشر من المستخدم.

وهنا يظهر سؤال مهم: هل ما زال الاقتصاد قائما على العقل والتحليل أم أنه أصبح أقرب إلى مرآة تعكس الحالة النفسية العامة للمجتمع في لحظة معينة؟ الحقيقة أن الاقتصاد لم يفقد منطقه القديم بالكامل، لكنه أصبح محاطا بطبقة جديدة من التأثيرات النفسية والاجتماعية جعلته أكثر سرعة في التفاعل وأكثر عرضة للتقلب وأكثر ارتباطا بما يشعر به الناس قبل ما يفكرون فيه. لم يعد القرار الاقتصادي يبدأ من البيانات فقط بل يبدأ أحيانا من انطباع، أو صورة، أو قصة قصيرة تنتشر على نطاق واسع..

وفي النهاية يمكن القول إننا نعيش مرحلة أصبح فيها الاقتصاد امتدادا مباشرا للحالة الإنسانية اليومية بكل ما فيها من قلق وأمل وتردد وحماس. عصر لم تعد فيه الأرقام وحدها كافية لفهم السوق لأن ما يحرك السوق فعليا أصبح أعمق من ذلك… إنه ما يشعر به الناس قبل أن يقرروا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى