حين تصبح النفس أضعف من أن تشرح نفسها

الهشاشة النفسية لا تأتي دائمًا على هيئة انهيار واضح، ولا تُعلن عن نفسها بضجيجٍ يلفت الانتباه. أحيانًا تتسلل بهدوءٍ إلى الإنسان حتى تستقر في أعماقه دون أن يشعر، فتغير طريقته في النظر إلى الأشياء قبل أن تغير الأشياء نفسها.
في تلك المرحلة لا يعود المرء يرى الواقع كما هو، بل كما تمليه عليه حالته الداخلية. تصبح الكلمات العادية جارحة، والمواقف العابرة ثقيلة، والصمت الذي كان راحة يتحول إلى عزلة، والهدوء الذي كان اتزانًا يصبح انسحابًا بطيئًا من الحياة.
وفقدان الشغف ليس مجرد فتور تجاه الأشياء، بل هو انطفاء خفي يصيب الروح. يستيقظ الإنسان فيجد أن ما كان يحركه بالأمس لم يعد يوقظ فيه شيئًا. تتشابه الأيام، وتتراجع الرغبات، وتفقد الإنجازات طعمها، حتى يصبح الاستمرار نفسه واجبًا يؤديه لا حياة يعيشها.
ومع الوقت تبدأ المشاعر في التشوه. لا لأن القلب فقد قدرته على الإحساس، بل لأنه أصبح مثقلًا بما يفوق احتماله. فيبالغ في الخوف، ويبالغ في الحذر، ويشك أحيانًا في محبة من يحبونه، لا لأنهم تغيروا، بل لأنه لم يعد يثق في قدرته على استقبال الطمأنينة كما كانت.
والأصعب من ذلك أن الإنسان يحاول إخفاء كل ما يحدث بداخله. يبتسم وهو مثقل، ويجامل وهو منهك، ويطمئن الآخرين بينما يعجز عن طمأنة نفسه. فيصبح هناك شخصان؛ أحدهما يراه الناس، والآخر يعيش وحده خلف ستار طويل من الصمت.
الهشاشة النفسية قادرة على أن تنتزع من الإنسان رغبته في التعايش مع تفاصيل يومه. تدفعه إلى العزلة لا لأنه يكره الناس، بل لأنه لا يملك الطاقة الكافية لمواجهة العالم. وتجعله يفضل الصمت لا لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه تعب من محاولة شرح ما لا يجد له تفسيرًا.
وقد يكون أكثر ما يؤلم فيها ذلك الشعور بالعجز أمام الحلول. فالمشكلة لا تبدو مستعصية دائمًا، لكن النفس تكون قد استنزفت حتى فقدت قدرتها على المبادرة. يرى الطريق أمامه، لكنه لا يملك القوة الكافية للسير فيه. يعرف ما يحتاجه، لكنه يعجز عن الوصول إليه.
ولهذا نرى أحيانًا شخصًا كان يومًا عاشقًا للكلام، حاضرًا في كل مجلس، ممتلئًا بالحياة والتفاصيل، ثم يتحول إلى شخص يختصر إجاباته، ويتجنب الحديث، ويؤثر الانسحاب على المشاركة. لا لأنه فقد شخصيته، بل لأن روحه أصبحت تخوض معركة لا يراها أحد.
أما الرجل، فغالبًا ما تكون الهشاشة النفسية أكثر قسوة عليه حين يظن أن عليه أن يحمل أعباءه وحده. فيكتم خوفه، ويخفي ضعفه، ويؤجل أوجاعه حتى تتراكم داخله. وحين يعجز عن التعبير، لا تتأذى مشاعره فقط، بل تتأثر علاقاته أيضًا. يصبح أقل صبرًا، وأكثر ميلًا للانعزال، وأقل قدرة على إظهار ما يشعر به لمن يحبهم، رغم أنه قد يكون في أشد الحاجة إليهم.
وأما المرأة، فإن الهشاشة النفسية قد تأخذ شكلًا مختلفًا. وتزداد قسوتها حين تجد نفسها في حياة لم تخترها، أو واقع فرضته الظروف عليها دون رغبتها. حين تضطر للتكيف مع ما لا يشبهها، والتعايش مع ما لم تكن تتمناه. هناك يبدأ جزء منها في المقاومة، بينما يبدأ جزء آخر في الاستسلام. فتعيش صراعًا صامتًا بين ما أرادته لنفسها يومًا، وما وجدت نفسها مضطرة إلى احتماله. وقد تنجح في أداء أدوارها كلها بإتقان، بينما يظل داخلها مكان متعب ينتظر من يفهمه دون أن يطلب منه شرحًا.
لكن الهشاشة النفسية، مهما امتدت، ليست حكمًا أبديًا على صاحبها. فهي حالة تمر بالنفس، لا هوية تلتصق بها. وما يبدو اليوم نهاية للطاقة قد يكون مجرد استنزاف يحتاج إلى وقتٍ للترميم. فالإنسان لا يستعيد نفسه دفعة واحدة، بل يستعيدها كما يستعيد الضوء مكانه في غرفةٍ طال غياب الشمس عنها؛ تدريجيًا، وهادئًا، ودون ضجيج.
“ليس مطلوبًا من النفس أن تكون قوية طوال الوقت، فحتى الأشجار العريقة تنحني للعاصفة. يكفيها أن تبقى متشبثة بجذورها، لأن ما ينحني اليوم قد يعود واقفًا غدًا، وما أرهقه الطريق لا يعني أنه فقد القدرة على الوصول.”



