
كلما أعلنت دولة عن ارتفاع معدل النمو الاقتصادي أو تحسن في مؤشرات الاستثمار أو زيادة في الصادرات تتجه الأنظار تلقائيا إلى الأرقام باعتبارها المعيار الأول للحكم على الأداء الاقتصادي. غير أن الاقتصاد.في جوهره لا يُقرأ من خلال الأرقام وحدها بل من خلال ما تعكسه هذه الأرقام من واقع وما تتركه من أثر وما تبنيه من مستقبل…فالأرقام قد تخبرنا أن الاقتصاد ينمو لكنها لا تقول دائما كيف تحقق هذا النمو ولا إلى أين يتجه ولا من المستفيد الحقيقي منه. ولهذا فإن القراءة العميقة للاقتصاد تبدأ من وراء مؤشرات النمو حيث تتشكل الصورة الكاملة بعيدا عن الانطباعات السريعة.
في عالمنا اليوم لم تعد قوة الاقتصاد تقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو معدل النمو السنوي وإنما بقدرته على الصمود أمام الأزمات وعلى خلق فرص العمل وتحفيز الإنتاج وجذب الاستثمار وتعزيز الابتكار. فالنمو الحقيقي هو الذي يضيف قيمة لا الذي يضيف أرقاما فقط…لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تغيرات غير مسبوقة أزمات صحية واضطرابات جيوسياسية وتقلبات في أسعار الطاقة وارتفاعا في تكاليف التمويل وتغيرا في أنماط التجارة العالمية. وفي ظل هذه المتغيرات أصبح الحفاظ على معدلات نمو مستقرة إنجازا في حد ذاته لكن الإنجاز الأكبر هو أن يتحول هذا النمو إلى قاعدة تنموية قادرة على الاستمرار..
فالاقتصاد ليس سباقا لتحقيق أعلى نسبة نمو في عام واحد بل هو رحلة طويلة لبناء اقتصاد أكثر مرونة وأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات وأقل اعتمادا على العوامل الخارجية. ولهذا فإن الدول التي نجحت اقتصاديا لم تنجح لأنها حققت أرقاما مرتفعة لفترة قصيرة وإنما لأنها بنت مؤسسات قوية واستثمرت في الإنسان ورسخت ثقافة الإنتاج والابتكار.
وفي الحالة المصرية تبدو أهمية النظر إلى ما وراء الأرقام أكثر إلحاحا. فالإصلاح الاقتصادي لا يمكن اختزاله في مؤشرات مالية أو تقارير دولية رغم أهميتها وإنما يقاس أيضا بقدرته على تحسين بيئة الاستثمار وتوسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة تنافسية الصناعة وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات وتحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار المالي واحتياجات التنمية.. ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل يتحول النمو إلى فرص حقيقية؟ هل يجد الشباب وظائف أكثر جودة؟ هل تتوسع المصانع؟ هل ترتفع الإنتاجية؟ هل تزيد مساهمة التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي؟ هل يشعر المستثمر المحلي قبل الأجنبي بأن البيئة الاقتصادية أصبحت أكثر قدرة على دعم النجاح؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح مؤشرات النمو معناها الحقيقي.
كما أن الاقتصاد لا يعيش بمعزل عن المجتمع. فكل سياسة اقتصادية ناجحة هي في النهاية سياسة تستهدف تحسين جودة الحياة وتوسيع فرص العمل ورفع كفاءة الخدمات وتعزيز الثقة في المستقبل. ولذلك فإن المواطن لا ينظر إلى الاقتصاد من خلال الجداول البيانية بل من خلال قدرته على العمل والإنتاج وتحقيق حياة أكثر استقرارا.. وفي المقابل لا ينبغي أن نقع في خطأ التقليل من أهمية المؤشرات الاقتصادية. فهي أدوات ضرورية لقياس الأداء وجذب الاستثمار وتقييم السياسات العامة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأرقام إلى غاية في حد ذاتها بينما تبقى التنمية الحقيقية غائبة عن المشهد..
إن الاقتصاد الناجح هو الذي يوازن بين سرعة النمو وجودته بين جذب الاستثمارات وتعميق الصناعة بين الاستقرار المالي والعدالة في توزيع الفرص، وبين تحقيق المكاسب الآنية وبناء المستقبل. فالمعادلة ليست سهلة لكنها الطريق الوحيد لبناء اقتصاد قادر على المنافسة…ولعل أكبر درس قدمته التجارب الدولية هو أن الدول التي ركزت على بناء الإنسان وتطوير التعليم ودعم البحث العلمي وربط الاقتصاد بالإنتاج والمعرفة استطاعت أن تحول معدلات النمو إلى نهضة حقيقية بينما ظلت دول أخرى تحقق أرقاما جيدة لسنوات لكنها لم تتمكن من تحويلها إلى تنمية مستدامة..
إن المرحلة الحالية تفرض على جميع الاقتصادات خاصة الناشئة أن تنظر إلى ما وراء المؤشرات التقليدية. فالعالم يتغير بسرعة ومعايير القوة الاقتصادية تتغير معه. ولم تعد الموارد وحدها كافية بل أصبحت الكفاءة، والابتكار، والمرونة، وسرعة اتخاذ القرار، عناصر لا تقل أهمية عن رأس المال..
وفي النهاية تبقى مؤشرات النمو مثل لوحة عدادات في سيارة حديثة تخبرك بسرعة الحركة لكنها لا تخبرك بجودة الطريق ولا بمهارة السائق ولا بقدرة السيارة على مواصلة الرحلة. أما التنمية الحقيقية فهي الرحلة نفسها بما فيها من تخطيط، وإنتاج، وتعليم، واستثمار، وثقة في المستقبل.. ولهذا فإن ما وراء مؤشرات النمو هو الأهم دائما. هناك تبنى الاقتصادات القوية وهناك تصنع الفروق بين دولة تحقق نموًا عابرا ودولة تؤسس لنهضة تستمر لأجيال. فالأرقام قد تثير الانتباه لكنها وحدها لا تصنع المستقبل المستقبل تصنعه الرؤية، والعمل، والإرادة، والقدرة على تحويل كل رقم إيجابي إلى قيمة مضافة يشعر بها المجتمع وتترجمها السنوات إلى تنمية راسخة لا تهزها الأزمات ولا تغيرها التقلبات.



