
جالسة في شرفتها كعادتها بأعين ثابتة لا تتحرك، جزع مشدود ويدين مضمومتين فوق ركبتها ونظرة جامدة لا ترى أي شئ على الإطلاق، منذ أن فقدت بصرها وهي تقريبًا لا تغادر الشرفة ولا تترك مقعدها في ركنها الأيمن بجوار ما زرعته من قبل من ورد بلدي،
رؤيتها عن بعد لا توحي أبدًا أنها عمياء، أنفها مرتفع بشموخ وكبرياء وهندامها منمق وغطاء شعرها ملفوف بإحكام ولا يسمح لأي خصلة برؤية النور كما تحب وترتاح، حتى عند الإقتراب منها لن تفطن لحالتها من قوة ثباتها وكأنها فقط شاردة لا تريد التحدث لأحد،
إقترب منها محمود شقيقها الأصغر وهو يثني ساقيه ويحدثها برقة وحنان ويخبرها أنه وجد ضالته بعد بحث مكثف، عجوز لم يعد له عمل وافق على خدمتها ومرافقتها ومساعدتها مقابل أجر زهيد لن يحملها عبء كبير، فقط عيبه الوحيد أنه أبكم لا يتحدث، سيتمكن من سماعها وتلبية طلباتها ورؤيتها دون قدرة على التحدث معها،
شردت وصمتت لدقيقة قبل أن تزفر بزهد وتهز رأسها بالموافقة، فقدت بصرها ولا تريد من مرافقها الجديد سوى أن يكون بديلًا لأعينها، لعلها ميزة ونعمة أنه فاقد القدرة على النطق ولن يرهقها بحديث تكرهه أو أسئلة تزعجها والأهم لن تسمع منه عبارات المواساة التي كرهتها أضعاف ما كرهت العمى،
أخبرها محمود أن السيد رأفت العجوز ليس بخادم أو مرافق وجليس من الأساس، هو فقط رجل عجوز لم يعد له أحد يؤنس وحدته في كِبره وأن رغبته في العمل من أجل ملأ فراغه وإيجاد سبب للحياة، الأشجار في الخريف تستمر في صُنع الظل حتى بعد فقد أوراقها،
العجوز الأبكم من لحظة عمله الأولى وهو يُشعرها بالهدوء والإطمئنان، لا تسمع منه غير صوت قدميه وتوقعت بخبرتها الأنثوية أنه دائمًا يرتدي حذاء كلاسيكي ذو كعب صلب، تعرف أنه يقترب من رائحة عطره، في البداية شعرت بدهشة ورغبة في الإعتراض سرعان ما تراجعت عنها وفضلت الصمت، العجوز يحمل بين طيات ملابسه نفس عطر حبيبها القديم، يا لها من مصادفة أرهقت روحها وزادت من شجنها وضاعفته، طوال الوقت يجلس على مقربة منها ينتظر تنفيذ أي طلب تطلبه منه، رائحة عطره المعتاد عليها أنفها أصبحت رفيقة جديدة بصحبة مقعدها ووردها البلدي الذي لم ينجح في إخفاء رائحة عطر العجوز،
عندما طلبت منه فنجان قهوة صنعه كما تحب “مظبوط” وعندما طلبت كوب من الشاي صنعه كما اعتادت بدون سكر، إندهشت لكنها أقنعت نفسها أن شقيقها أخبره بكل ذلك بدون شك من أجل راحتها وإرضاءها،
يصل في الصباح الباكر ويظل قابعًا بجوار مقعدها في الشرفة حتى بعد الغروب بساعة، يلازمها طوال الوقت بصمته المطبق ورائحة عطره القوية، يوم بعد يوم استكانت روحها وأنست بعطره ووجوده ووجدت بنفسها رغبة في الحديث، اعتادت الحديث من قبل بلا صوت مع عقلها وذكرياتها وأحيانًا كانت تُحدث وردها البلدي حتى إقتنع عقلها وفؤادها أن الأحاديث بالضرورة يجب أن تكون مع من لا يسمع ولا يُجيب،
العجوز لا يفرق في طبيعته عن من إعتادت الحديث معهم من قبل دون إنتظار رد أو حدوث مقاطعة ومحاصرتها بالأسئلة أو إبداء الرأي وبالقطع لا رغبة بداخلها في سماع النصائح أو عبارات المواساة التي لا تصيب صاحب الهم إلا بمزيد من الحزن والآسى،
رائحة عطره تذكرها بكل ما حاولت الفرار منه من قبل وقبول وجودها جعلها تعتادها وتعتاد الحديث معه والتوقف عن التحدث لوردها البلدي في الركن الأيمن ونسيان رائحته،
تركت للسانها العنان وقصت عليه كل ما فعلت مع أمجد حبيبها القديم، حكت كل شئ من البداية وكأنها تتذكر وتشتاق للماضي وهي تدعي الحكي والسرد، العجوز لا يُعلق ولا يقاطع ولا يغادر مقعده الصغير بجوارها ولا يحرم حنينها للذكريات من رائحة عطره،
من لا يخشى العتاب والتأنيب يتحدث بلا حذر، تحدثت بلا خوف ولا مراجعة أو تهذيب للعبارات وتجميل للذكريات، رغم أن طبيعتها لا تقبل الإعتراف بأي خطأ مهما كان صغيرًا أو متكرر الحدوث مع الجميع، لكنها بصحبة العجوز الصامت وعطره النفاذ إعترفت ببكاء لأول مرة بتلال أخطاءها وكيف كانت السبب الأول والأهم بعنادها في ضياع حبها وحبيبها رغم كل محاولاته في ردعها عن جنون غضبها،
العجوز بعد تكرار سماع قصتها أصبح يقترب منها أكثر ويواسيها في نهاية حديثها بالربت على ظهر كفها بعطف وحنان، لم يبذل مجهودًا يذكر في سؤالها عن أي شئ، هي تحكي كل شيء وكأن العمى أصاب أعينها ولكن عقلها لم يُغمض أعينه لحظة واحدة،
أحاديثها كلها عن الماضي والذكريات، حتى ضاق صدرها بمشاعرها وإنفجرت باكية وهي تخبر العجوز أنها تشتاق لأمجد وتريد عناقه ولو لمرة واحدة أخيرة، بكت حتى بللت كف العجوز الممسك بكفها من دموعها الساقطة وعندما هتفت بلوعة “سامحني يا أمجد” شعرت بالعجوز يقترب منها ويلامسها ويقبل جبينها ويصفعها صوته المفعم بالبكاء.. مسامحك،
قالها وغادر قبل أن تستوعب صدمتها وتنهال عليه بالسباب والعراك أنه خدعها وأخفى عنها أن رفيقها العجوز لم يكن سوى أمجد حبيبها القديم بإتفاق خفي مع شقيقها،
غادر ومعه رائحة عطره وتركها وحيدة بصحبة مقعدها في شرفتها ولم يتبق لها سوى رائحة الورد البلدي.




