كاتب ومقال

ماسبيرو يفتح خزائنه النادرة لعصر الرقمنة

بقلم: سمر مرسي

ذاكرة أمة تُبعث من جديد..

هناك مؤسسات لا تُقاس قيمتها بعدد مبانيها أو سنوات عمرها، بل بما تحفظه من ذاكرة الشعوب. وماسبيرو ليس مجرد مقر للإذاعة والتليفزيون، بل شاهد حي على تاريخ مصر الحديث؛ سجل مفتوح يحفظ بالصوت والصورة ملامح وطن، وتحولات مجتمع، وإنجازات دولة، وإبداع أجيال كاملة صنعت وجدان المصريين والعرب. واليوم، يقف هذا الصرح العريق على أعتاب مرحلة جديدة، لا تستهدف فقط إنقاذ إرثه من عوامل الزمن، بل إعادة تقديمه للأجيال بلغة العصر، عبر مشروع طموح لرقمنة أرشيفه النادر، ليخرج من خزائن الحفظ إلى فضاء المعرفة الرقمية.

ولم يكن ماسبيرو، منذ افتتاحه عام 1960، مجرد مبنى يطل على ضفاف النيل، بل كان القلب النابض للإعلام المصري والعربي، ومنصة انطلقت منها الأحداث التي صنعت الوعي الجمعي ورسخت ملامح الهوية الوطنية.

ففي أروقته وغرف أرشيفه استقرت كنوز لا تُقدَّر بثمن؛ خطابات تاريخية، ووثائق صوتية، وتسجيلات نادرة لرموز الفكر والأدب والفن، وحفلات لكبار المطربين، وأعمال درامية شكلت وجدان أجيال، وتغطيات لأحداث سياسية ووطنية غيّرت مجرى التاريخ. وعلى مدار أكثر من ستة عقود، تحول ماسبيرو إلى مستودع حي للثقافة المصرية، يحتفظ بكل ما هو قيم وذو قيمة في مجالات الإعلام والفنون والعلوم والأدب والسياسة والتاريخ الاجتماعي، حتى أصبح أرشيفه بمثابة مكتبة وطنية مرئية ومسموعة، تروي قصة مصر عبر الزمن. ومن هنا، فإن رقمنة هذا الإرث لا تعني فقط حفظ مواد إعلامية من التلف، بل تمثل صونًا لذاكرة حضارية متكاملة، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بأدوات المستقبل، بما يليق بمكانة هذا الصرح الذي ظل أحد أبرز رموز القوة الناعمة المصرية.

فعلى مدار عقود، تراكم داخل أرشيف ماسبيرو رصيد استثنائي من المواد السمعية والبصرية التي توثق محطات مفصلية في التاريخ المصري والعربي؛ من خطابات الرؤساء، وتغطيات الحروب والاحتفالات الوطنية، إلى الحفلات الموسيقية النادرة، والدراما الكلاسيكية، والبرامج الثقافية، واللقاءات التي جمعت كبار الأدباء والمفكرين والفنانين والعلماء. إنه أرشيف لا يروي الأحداث فحسب، بل يعكس روح كل مرحلة، ويكشف كيف تشكل الوعي العام عبر الزمن، ويمنح الباحثين والمؤرخين مادة أصيلة لفهم تاريخ المجتمع المصري وتحولاته.

لكن الأشرطة التقليدية، مهما بلغت قيمتها، تظل عرضة للتلف بفعل الزمن والرطوبة والاستخدام المتكرر، وهو ما يجعل الرقمنة ضرورة وطنية وليست خيار تقني. فكل يوم يمر دون حفظ هذه المواد رقميًا قد يعني فقدان جزء من ذاكرة لا يمكن تعويضها.
ومن هنا تأتي أهمية المشروع الذي يعمل على تحويل الأشرطة القديمة إلى ملفات رقمية عالية الجودة، مع ترميم ما يمكن ترميمه، وفهرسة المحتوى وفق أحدث النظم العالمية، بما يضمن سهولة الوصول إليه وحمايته من الضياع.

ولا تنظر المؤسسات الدولية إلى الأرشيف السمعي والبصري باعتباره مجرد مواد إعلامية، بل باعتباره جزءًا أصيلًا من التراث الإنساني. فقد أكدت اليونسكو أن التسجيلات الصوتية والمرئية تمثل ذاكرة الشعوب، وأن فقدانها يعني ضياع صفحات من التاريخ والثقافة والهوية. ولهذا تدعو المنظمة إلى تبني سياسات وطنية لحماية هذا التراث، والاعتماد على تقنيات الحفظ الرقمي الحديثة، وإنشاء قواعد بيانات تضمن استدامة المحتوى وإتاحته للأجيال المقبلة، باعتباره موردًا ثقافيًا ومعرفيًا لا يقل أهمية عن المخطوطات والوثائق التاريخية.

كما تؤكد اليونسكو أن الرقمنة ليست مجرد عملية تقنية لنقل المواد من وسيط إلى آخر، بل هي استثمار طويل الأمد في حماية الذاكرة الإنسانية، إذ تقلل من تداول النسخ الأصلية المعرضة للتلف، وتتيح في الوقت نفسه فرصًا أوسع للبحث العلمي والتعليم والإنتاج الثقافي والإعلامي. ولذلك أصبحت مشروعات رقمنة الأرشيفات الوطنية في مختلف دول العالم جزءًا من استراتيجيات الحفاظ على الهوية وصون التراث الوثائقي.

وفي هذا السياق، يكتسب مشروع رقمنة أرشيف ماسبيرو بعدًا يتجاوز الحفاظ على الماضي، إذ يفتح آفاقًا جديدة لاستثمار هذا الإرث في الاقتصاد الإبداعي. فالمحتوى الأرشيفي اليوم يمثل مادة أساسية لصناعة الأفلام الوثائقية، والإنتاج الدرامي، والمنصات الرقمية، والمشروعات التعليمية، والمعارض الثقافية، فضلًا عن كونه مصدرًا موثوقًا للباحثين والمؤرخين. ومع تطور تقنيات البحث الرقمي والذكاء الاصطناعي، تصبح الاستفادة من هذا المحتوى أكثر سرعة ودقة، بما يعيد الحياة إلى كنوز ظلت لسنوات حبيسة الأرفف.

كما يسهم المشروع في تعزيز القوة الناعمة المصرية، فالأرشيف الذي يوثق إبداعات رموز الفن والأدب والفكر، وإنجازات الدولة، وأبرز المحطات السياسية والاجتماعية، لا يمثل ذاكرة محلية فحسب، بل يشكل جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية.

وإتاحته بصورة احترافية يرسخ مكانة مصر باعتبارها أحد أهم مراكز الإنتاج الإعلامي والثقافي في المنطقة، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للاطلاع على تاريخها من مصادره الأصلية، بعيدًا عن الروايات المجتزأة أو غير الموثقة.

إن رقمنة ماسبيرو ليست مشروعًا لحفظ الأشرطة، بل مشروع لإحياء الذاكرة الوطنية وإعادة الاعتبار لأحد أهم الكنوز الثقافية التي تمتلكها مصر. فكل صورة تستعيد نقاءها، وكل تسجيل يُنقذ من التلف، وكل وثيقة تُفهرس وتُحفظ رقميًا، تمثل انتصارًا جديدًا على النسيان، وخطوة نحو مستقبل يحافظ على الماضي بدلًا من أن يتركه يندثر.

وهكذا، يثبت ماسبيرو أنه لا يزال قادرًا على أداء رسالته التاريخية؛ فبعد أن كان منبرًا لصناعة الحدث، أصبح اليوم حارسًا لذاكرة الوطن، يعيد تقديمها بثوب رقمي حديث، لتبقى شاهدة على تاريخ مصر، وملهمة لأجيالها القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى