جامعة عين شمس ووزارة التضامن تطلقان دبلومًا مهنيًا متخصصًا في الإرشاد النفسي.. حين يصبح التأهيل النفسي استثمارًا في الإنسان
وفاء حسن

في خطوة تحمل أبعادًا أكاديمية ومجتمعية تتجاوز حدود التدريب، دشّنت جامعة عين شمس، ممثلة في مركز الإرشاد النفسي بكلية التربية، بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي، أول دبلوم مهني متخصص في الإرشاد النفسي، في إطار بروتوكول تعاون مشترك وقّعته معالي الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، والأستاذ الدكتور محمد ضياء زين العابدين، رئيس جامعة عين شمس، بحضور الأستاذ الدكتور أحمد السيد عبد المنعم، مدير مركز الإرشاد النفسي، والدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة الإدمان والتعاطي التابع لرئاسة مجلس الوزراء، وبمتابعة وإشراف الأستاذة الدكتورة صفاء شحاتة، عميدة كلية التربية ورئيس مجلس إدارة مركز الإرشاد النفسي.
ويأتي إطلاق هذا الدبلوم في توقيت تزداد فيه الحاجة إلى الاستثمار الحقيقي في الصحة النفسية، ليس فقط من خلال نشر الوعي، وإنما عبر إعداد كوادر مهنية تمتلك المعرفة العلمية والمهارات التطبيقية اللازمة للتعامل مع مختلف التحديات النفسية والاجتماعية.
مركز الإرشاد النفسي.. قيادة تصنع الفرق
ويقف خلف هذا المشروع أحد المراكز المتخصصة التي كان لها دور بارز في دعم مجال الإرشاد النفسي، وهو مركز الإرشاد النفسي بكلية التربية – جامعة عين شمس، بقيادة الأستاذ الدكتور أحمد السيد عبد المنعم، مدير مركز الإرشاد النفسي،
ولا يقتصر دور مركز الإرشاد النفسي على تقديم الخدمات الإرشادية والتدريبية، وإنما يمتد إلى بناء جسر حقيقي بين العلم والممارسة واحتياجات المجتمع، من خلال التأهيل والتدريب المتخصص، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية والمهنية، والعمل على تطوير الكوادر القادرة على التعامل مع قضايا الصحة النفسية بصورة علمية ومهنية.
وتأتي القيادة الملهمة للدكتور أحمد السيد عبد المنعم لتدعم هذا التوجه، من خلال رؤية تؤمن بأن تطوير منظومة الصحة النفسية يبدأ من تطوير الإنسان الذي يقدم الخدمة النفسية نفسها؛ فكلما ارتفع مستوى التأهيل والوعي والالتزام المهني لدى المتخصص، انعكس ذلك بصورة مباشرة على جودة الخدمة المقدمة للمجتمع.
ومن هنا، يمثل إطلاق الدبلوم المهني المتخصص امتدادًا طبيعيًا للدور الذي يقوم به المركز في دعم التدريب والتأهيل النفسي، وتحويل المعرفة الأكاديمية إلى خبرات ومهارات يمكن توظيفها في الواقع العملي، بما يعزز مكانة الإرشاد النفسي كأحد المسارات المهمة في منظومة الدعم والوقاية النفسية.
الإرشاد النفسي.. مسؤولية قبل أن يكون مهنة
من المنظور النفسي، فإن تقديم الدعم والإرشاد للإنسان ليس مجرد الاستماع إلى مشكلاته أو تقديم بعض النصائح العامة، وإنما هو عملية مهنية تحتاج إلى دراسة علمية وتدريب متخصص وفهم عميق لطبيعة النفس البشرية.
فالفارق كبير بين شخص يجيد الاستماع، وشخص يمتلك الأدوات العلمية التي تمكنه من فهم المشاعر والسلوك والضغوط النفسية، والتعامل معها في إطار مهني سليم، مع إدراك الحدود الفاصلة بين الإرشاد النفسي والتخصصات العلاجية المختلفة، ومتى يحتاج الفرد إلى الإحالة إلى متخصص آخر.
ولهذا فإن وجود برامج مهنية متخصصة في الإرشاد النفسي يمثل خطوة مهمة في ضبط الممارسة، ورفع كفاءة العاملين في المجال، والحد من الممارسات العشوائية التي قد تضر أكثر مما تنفع.
لماذا يحتاج المجتمع إلى كوادر نفسية متخصصة؟
لأن الضغوط النفسية أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ ضغوط العمل، والمشكلات الأسرية، وتحديات تربية الأبناء، والأزمات العاطفية، والعنف، والطلاق، وفقدان الأشخاص، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وغيرها من التجارب التي قد تترك آثارًا نفسية عميقة على الفرد والأسرة.
وفي كثير من الأحيان، لا تبدأ المشكلة النفسية في صورة اضطراب واضح، وإنما تبدأ بتغير في السلوك، أو اضطراب في العلاقات، أو فقدان القدرة على التكيف، أو شعور مستمر بالقلق والإرهاق.
وهنا تظهر قيمة المرشد النفسي المؤهل؛ فهو يستطيع أن يكون جزءًا من منظومة الوقاية والتدخل المبكر، وأن يساعد الفرد على فهم ذاته ومشكلاته بصورة أكثر وعيًا، وأن يوجهه إلى المسار المهني المناسب عندما تتطلب الحالة تدخلًا متخصصًا.
وبالتالي، فإن الاستثمار في إعداد كوادر نفسية مؤهلة لا يخدم الفرد وحده، بل ينعكس على الأسرة والمدرسة ومكان العمل والمجتمع بأكمله
شراكة تعكس مفهومًا جديدًا للصحة النفسية
وتأتي أهمية التعاون بين جامعة عين شمس ووزارة التضامن الاجتماعي في أنه يربط بين الجانب الأكاديمي والواقع المجتمعي، ويؤكد أن مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية تحتاج إلى تكامل الأدوار بين المؤسسات.
فوزارة التضامن الاجتماعي بما تمتلكه من اتصال مباشر بالعديد من الفئات والملفات المجتمعية، والجامعة بما تمتلكه من خبرات علمية وأكاديمية، يمكنهما معًا دعم منظومة أكثر تكاملًا في مجال التأهيل والإرشاد والدعم النفسي.
ويهدف الدبلوم إلى إعداد كوادر مهنية متخصصة، وتنمية مهاراتها وفق أسس علمية ومهنية، بما يسهم في رفع جودة الممارسة وتحسين مستوى الخدمات النفسية المقدمة للمجتمع.
الوعي النفسي يبدأ من الشخص المتخصص
ربما تكون إحدى أهم الرسائل التي يحملها إطلاق هذا الدبلوم هي أن نشر الوعي بالصحة النفسية لا يمكن أن يكتمل من دون الاستثمار في من يقدم هذا الوعي والدعم.
فنحن بحاجة إلى مجتمع يتحدث عن الصحة النفسية، لكننا في الوقت نفسه بحاجة إلى مجتمع يحترم التخصص، ويعرف أن التعامل مع النفس البشرية مسؤولية لا تحتمل الاجتهاد غير العلمي.
ولهذا فإن إعداد كوادر متخصصة في الإرشاد النفسي يمثل استثمارًا طويل الأمد في الإنسان؛ لأن الشخص الذي يحصل على الدعم المناسب في الوقت المناسب قد يستطيع استعادة قدرته على التكيف، وتحسين علاقاته، واتخاذ قرارات أكثر اتزانًا، وتجنب تفاقم مشكلات كان يمكن احتواؤها مبكرًا.
وفي النهاية، فإن إطلاق الدبلوم المهني المتخصص في الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي ليس مجرد إضافة إلى البرامج التعليمية، وإنما خطوة باتجاه بناء منظومة أكثر وعيًا بالتخصص النفسي، وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
وإذا كان المجتمع القوي يُقاس بقدرته على حماية الإنسان، فإن حماية الإنسان تبدأ أيضًا من الاهتمام بصحته النفسية، ومنحه فرصة لأن يجد من يستمع إليه ويفهمه ويوجهه، بعلمٍ ومسؤولية ومهنية.





