حوارات

كواليس أكتوبر في أوراق محررة عسكرية.. مها سالم وحكايات الأبطال

حكايات أكتوبر رصيد من الذاكرة الوطنية يجب روايته للشباب

حوار: رضا الشويخي

ضمن ملف “حكايات بطعم النصر” نفتح نافذة جديدة حول أبطال الملحمة في نصر أكتوبر العظيم، وهذه المرة نقلب في دفاتر محررة عسكرية بارزة، ومستشار إعلامي لوزيرة الهجرة سابقًا، وهي الصحفية البارزة مها سالم، تخبرنا كيف رأت النصر في عيون الأبطال، وكيف كان بيت زوجها العميد إيهاب صلاح الدين، أول متحدث باسم القضاء العسكري في مصر يرى أكتوبر وما يحمله من بشريات النصر، فإلى نص الحوار.

بصفتك محررة عسكرية، برأيك كيف
يمكن رواية حكايات الحرب للشباب وتعزيز انتمائهم؟

أعتقد أن أهم ما يمكن أن نقدمه للشباب هو أن نروي لهم حكايات الانسان المصري ، عبقرية التكوين الذي عكس تفرد الجغرافيا والتاريخ، استدعاء تفاصيل  الحرب من خلال أبطالها، وأن نقترب من الإنسان وراء الحدث العسكري..
فمن خلال عملي الصحفي، ولقاءاتي مع  أبطال حرب أكتوبر وشهاداتهم، أدركت أن وراء كل نصر قصصًا تستحق أن تروى، ليس فقط لأنها توثق لحظات مهمة في تاريخ الوطن، وإنما لأنها تكشف عن قيم الإيمان بالهدف، والانضباط، والتضحية، والقدرة على تجاوز الصعاب وكلها تعكس معدن الانسان المصري وصلابته امام الشدائد.

الشباب لا يحتاجون فقط إلى معرفة كيف تحقق النصر، بل إلى الحديث إليهم بلغتهم ، شرح الظروف التي سبقت المعارك، وحجم الاستعداد والتضحيات التي قدمها الرجال من أجل استعادة الأرض والكرامة. وهنا تأتي أهمية الشهادات الحية والحكايات الإنسانية، لأنها تجعل التاريخ أقرب إلى وجدان الأجيال الجديدة، وتمنحهم فرصة للتعرف إلى أبطال حقيقيين عاشوا هذه الأحداث وصنعوا نتائجها.

وأرى أن مسؤوليتنا كصحفيين وكتاب هي أن نقدم هذه الحكايات بلغة معاصرة، تستفيد من أدواتهم علي مختلف وسائل التواصل والمنصات الرقمية، من دون التفريط في دقة المعلومة أو مصداقية الرواية.

فالانتماء لا يبني بالشعارات وحدها، بل بالمعرفة والفهم والاعتزاز بتاريخ الوطن وكل الامل ان يعرف الشباب ما قدمته الأجيال السابقة، فيدركون أن الحفاظ على الوطن مسؤولية مستمرة، وأن لكل جيل دوره في استكمال هذه المسيرة.

بين القادة والجنود، ما القواسم المشتركة التي رأيتها في كواليس النصر وحكاياته؟

ما لفت انتباهي في حكايات أبطال حرب أكتوبر هو أن النصر لم يكن نتاج بطولة فردية؛ وإنما نتيجة  عمل جماعي، سيمفونية متكاملة لكل فرد فيها دور ، إيمان مشترك بالهدف، وإعداد دقيق، وانضباط، وتكامل بين الأدوار. فالقائد  يتقدم الصفوف و يتحمل مسؤولية القرار ورجاله، والجندي يؤدي واجبه في موقعه، لكن كليهما يتحركان وفق عقيدة واحدة،  هي الإيمان بالوطن والاستعداد للتضحية من أجله.

ومن خلال الاقتراب من الشهادات والحكايات المرتبطة بالنصر، تتضح قيمة التفاصيل التي قد لا تظهر في الصورة النهائية للمعركة؛ فهناك سنوات من التدريب والاستعداد، وثقة متبادلة بين القائد ورجاله، وقدرة على تحمل المسؤولية في أصعب الظروف.

وأعتقد أن أهم ما تعلمناه من روح أكتوبر هو أن الإنجاز الكبير لا يصنعه شخص واحد، مهما كان موقعه، بل تصنعه منظومة متكاملة يؤمن كل فرد فيها بأن دوره مهم، وأن نجاحه مرتبط بنجاح الآخرين.

وهذه رسالة تتجاوز المجال العسكري إلى حياتنا كلها؛ فالأوطان تبني بالعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والإخلاص في أداء الواجب، وليس بالبحث عن البطولة الفردية أو الأضواء.

متى نرى كتابًا يضم الحكايات والقصص التي نشرتِها، على غرار «بيت الخرنفش»؟

«بيت الخرنفش» تجربة أدبية  أعتز بها، لأنها تنطلق من  حكايات حقيقية، وأرى أن تأثيرها  على القراء سببه تفاصيل الحياة اليومية والحكايات الإنسانية القادرة على الاحتفاظ بروح الزمن وتفاصيله،  وجدوا فيها بيت يشبه بيوتهم أحلاماً  تمثلهم، عكست الطموح والأمل بنفس قدر الوجع والألم.

أما الحكايات التي تناولتها خلال عملي الصحفي، ومنها حكايات أبطال حرب أكتوبر وشهاداتهم، فهي تمثل بالنسبة لي رصيدًا مهمًا من الذاكرة الوطنية والإنسانية. فهذه القصص لا توثق أحداثًا فقط، بل تكشف عن تجارب رجال ومواقف تستحق أن تتعرف إليها الأجيال الجديدة.

صراحة، لم أحسم بعد فكرة تحويل هذه الحكايات إلى كتاب، لكنني أرى أن الفكرة تستحق التفكير، خصيصًى أن جمع هذه الشهادات في عمل واحد قد يمنحها فرصة جديدة للوصول إلى القراء، بعيدًا عن حدود النشر الصحفي المرتبط بوقته.

وأعتقد أن لكل حكاية طبيعتها وطريقة تقديمها، فالحكاية الأدبية لها مساحتها، والشهادة التاريخية لها متطلبات التوثيق والدقة. وإذا اتخذت هذه الخطوة يومًا، فسيكون الأهم بالنسبة لي أن أقدم عملًا يحافظ على صدق الحكايات وقيمتها، ويمنحها فرصة للبقاء في ذاكرة الأجيال.

أم وزوجة لأول متحدث باسم القضاء العسكري، العميد إيهاب صلاح الدين، رحمه الله.. كيف كان أكتوبر في حكايات «الخرنفش» وما يدور فيه؟

أكتوبر بالنسبة لبيت العميد إيهاب ليس مجرد نصر عسكري نستعيد ذكراه كل عام، وإنما روح وعقيدة ممتدة عبر الأجيال، تظهر في كل مرة يواجه فيها الوطن تحديًا أو تهديدًا.
كنت جزءًا من حكاية رجل عظيم، شاهد على جزء مهم من حاضرنا؛ فمصر واجهت خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة استهدفت أمنها واستقرارها، وظلت القوات المسلحة حائط صد في مواجهة التهديدات التي تستهدف الوطن ووحدة أراضيه. ورأينا رجالًا  -مثله-يحملون روح أكتوبر نفسها، ويؤمنون بأن حماية تراب الوطن مسؤولية لا تقبل التراجع، وأن التضحية من أجله واجب لا يرتبط بزمن أو جيل.

بهذه الروح، وهذا الإخلاص، أتذكر زوجي العميد إيهاب صلاح الدين، رحمه الله، وتجربته المهنية في القضاء العسكري، ودوره في أداء واجبه الوطني في كل موقع خدم فيه.. أستحضر المعنى الإنساني وراء المسؤولية التي يحملها رجال القوات المسلحة، وما يتطلبه أداء هذا الواجب من التزام وانضباط واستعداد دائم لتحمل المسؤولية.

ما أراه مشتركًا بين جيل أكتوبر والأجيال التي تحمل المسؤولية حتي يومنا هذا إنكار الذات، حب الوطن  هو العقيدة الراسخة التي تنتقل من جيل إلى جيل، ومؤداها أن مصر  تستحق التضحية، وأن أداء الواجب ليس بحثًا عن بطولة فردية أو مجد شخصي، وإنما مسؤولية يؤديها كل إنسان في موقعه بإخلاص، مدركًا أن الحفاظ على الوطن قد تكون له أثمان باهظة.

لديكِ تجربة ثرية في العمل متحدثة باسم وزارة الهجرة.. كيف كانت الجهود المبذولة لربط شباب المصريين بالخارج بتاريخهم وتعريفهم بهذه المناسبة الوطنية وغيرها؟

خلال عملي  متحدثاً رسميا في وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، على مدار ثماني سنوات، كانت قضية الحفاظ على ارتباط المصريين بالخارج بوطنهم وهويتهم هي أساس الملفات التي انطلقنا منها، خصيصًى فيما يتعلق بالأجيال الجديدة التي نشأ كثير منها خارج مصر، وأصبحت بحاجة إلى وسائل تواصل مختلفة تجعلها أكثر قربًا من لغتها وثقافتها وتاريخها.

وكانت مبادرات مثل «اتكلم عربي» نموذجًا مهمًا في هذا الاتجاه، من خلال الاهتمام باللغة العربية بوصفها أحد أهم جسور التواصل مع الهوية المصرية، إلى جانب الجهود التي استهدفت ربط الخبرات والعقول المصرية بالخارج بوطنهم، ومنها مؤتمرات «مصر تستطيع»، أو مركز حوار شباب المصريين في الخارج “ميدسي”.

ومن واقع هذه التجربة، لم نقتصر علي تعريف المصريين بالخارج بانتصارات أكتوبر وغيرها من المحطات الوطنية وفقط، صحيح كنا نحرص  على تقديم معلومات تاريخية أو الاحتفال بالمناسبات، لكن تجاوزناها -برؤية القيادة السياسية- بتوسيع الرؤية لتشمل  العادات والتقاليد والقيم والمبادئ التي تشكل هوية المصري.

ونتج عنها مشاركة شباب المصريين في الخارج في فيلم تسجيلي باسم “مصري”، أتاح لهم معايشة القوات في الصاعقة والمظلات والقوات الخاصة، ما خلق ترابط بين الشباب وقواتنا المسلحة.

هده الأنشطة تعد أدوات لمواجهة حروب الجيل الرابع والخامس، تدعم الحفاظ على الهوية الوطنية، تساعدهم  في مواجهة حروب الوعي، وتعزز فهم التاريخ  والاعتزاز به، وأن ندرك أن انتماء المصريين بالخارج إلى وطنهم يمكن أن يكون قوة حقيقية تربطهم بمستقبله، مثلما تربطهم بتاريخه.
انتهى الحوار ولكن حكايات النصر لم تنته، ولنا معكم محطات أخرى من الفخر والزهو بما صنعه جيل هزم المستحيل، ودفع حياته ثمنًا لأمن وأمان علينا أن نصونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى