
الخجل من المشاعر التي أشعر بأنها تتراجع في زماننا هذا. في الماضي، كان الخجل وكون المرء حييًا من الصفات التي تدل على التربية والأخلاق. ولذلك فإن تعبير “حمرة الخجل”، الذي يدل على شكل وجه الشخص الذي يشعر بالخجل نتيجة اندفاع الدماء إلى وجهه، كان من التعبيرات الرائعة. وكنا عندما نجد أننا في موقف يستدعي خجل الآخرين ولا نجدهم كذلك، نرتفع بالهتاف قائلين: “أين أنت يا حمرة الخجل؟”
بالطبع يوجد فرق جوهري بين الخجل والحياء؛ فالأول يكون أمام الناس، والثاني قد يكون أعمق ويشمل أيضًا تلك المشاعر عندما يكون المرء بمفرده.
بالطبع، قد يكون الخجل غير مناسب في بعض المواقف، فقد يخجل الإنسان من التعبير عن نفسه أو المطالبة بحقه، انتظارًا للآخرين، وتوقعًا غير حقيقي أنهم سيشعرون به وسيقومون بمراعاة شعوره واحتياجاته ويقدمونها إليه. ولكن للأسف، هذا غير حقيقي في الكثير من الحالات، وهنا لا يكون الخجل مطلوبًا، ونقول للخجول في هذه الحالات: “بطل كسوف وتكلّم”.
من أسمى مواقف الخجل أن يخجل الإنسان من تصرفاته السيئة. فالخجل بداية الندم، والندم بداية التوبة وشرطها الضروري. ومن أكثر مواقف الخجل تلك التي سنقف بها يوم القيامة أمام الله عز وجل، عندما يحاسبنا ويعاتبنا على التقصير، فاللهم قِنا هذا الموقف.
في عصرنا الحالي، عصر الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، توارى الخجل كثيرًا. البداية تأتي من الأشخاص الذين لا يشعرون بالخجل، فيقومون ببث مواد والإفصاح عن مشاعر في موضوعات خاصة، ويكثرون من هذا الحديث، وبالتالي تتحول الأمور إلى عادية، ويصبح الأغلبية ممارسين لتلك الأفعال ومفصحين عن تلك المشاعر بلا أدنى شعور بالخجل. والأسوأ من هذا أن تتحول مشاعر الخجل إلى النقيض، أي أن تتحول إلى وقاحة تبدأ في الحق ثم تنتقل تدريجًا إلى أن تصبح وقاحة في الباطل، وهنا نجد أصحاب الخجل الأصلي في صدمة كبيرة لا يعرفون ماذا يفعلون.
دعوة إلى العودة إلى الخجل والحياء وإلى نفي صفة الضعف عن كل خجول وحَيِي ومراعي لمشاعره ومشاعر الآخرين.




