مركز الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس والمجلس القومي للمرأة.. شراكة لتأهيل كوادر متخصصة في الإرشاد النفسي والأسري والزواجي
وفاء حسن

التأهيل النفسي المتخصص خطوة نحو دعم المرأة وتعزيز استقرار الأسرة المصرية
لم تعد قضايا المرأة تقتصر على المطالبة بالحقوق أو تعزيز المشاركة في المجتمع، بل امتدت لتشمل احتياجات أكثر عمقًا تتعلق بالصحة النفسية، والقدرة على مواجهة الضغوط، والحصول على الدعم المناسب في الأزمات الأسرية والاجتماعية. فتمكين المرأة لا يكتمل دون الاهتمام بسلامها النفسي، وتوفير بيئة واعية قادرة على فهم احتياجاتها ومساندتها، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو النصائح التي قد تزيد من معاناتها بدلًا من تخفيفها.
وفي هذا السياق، تأتي خطوة التعاون بين جامعة عين شمس والمجلس القومي للمرأة لإطلاق الدبلوم المهني في مجال علم النفس التطبيقي، تخصص «الإرشاد الأسري والزواجي»، من خلال مركز الإرشاد النفسي بكلية التربية، باعتبارها خطوة مهمة نحو إعداد كوادر مهنية متخصصة، وتعزيز الاهتمام بقضايا الصحة النفسية والعلاقات الأسرية في المجتمع المصري.
وشهدت هذه الخطوة حضور الأستاذ الدكتور ضياء زين العابدين، رئيس جامعة عين شمس، والأستاذة الدكتورة صفاء شحاتة، عميدة كلية التربية ورئيس مجلس إدارة مركز الإرشاد النفسي، والأستاذ الدكتور أحمد السيد عبد المنعم، مدير مركز الإرشاد النفسي، إلى جانب اعضاء المجلس القومي للمرأة، وذلك في إطار بروتوكول تعاون يستهدف دعم التأهيل والتدريب المتخصص في مجال الإرشاد النفسي والأسري والزواجي.
وتنبع أهمية هذه الخطوة من ارتباطها باحتياج مجتمعي متزايد إلى خدمات إرشادية قائمة على أسس علمية ومهنية، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المرأة داخل الأسرة وخارجها، وما قد تتعرض له من ضغوط نفسية واجتماعية تؤثر على استقرارها وقدرتها على مواصلة مسؤولياتها اليومية.
الصحة النفسية للمرأة.. ما وراء الأزمات الظاهرة
إن الحديث عن المرأة لا ينفصل عن الحديث عن صحتها النفسية، فخلف كثير من الأزمات الأسرية حكايات إنسانية لا تظهر تفاصيلها للآخرين؛ امرأة تحاول التوفيق بين مسؤوليات متعددة، وأخرى تواجه خلافات زوجية ممتدة، وثالثة تمر بتجربة انفصال تعيد معها ترتيب حياتها من جديد، وأمهات يتحملن أعباء نفسية كبيرة في محاولة لحماية أبنائهن من آثار الخلافات الأسرية.
وفي كثير من الأحيان، تجد المرأة نفسها مطالبة بأن تكون قوية طوال الوقت، وأن تتحمل الضغوط دون شكوى، وأن تتجاوز أزماتها سريعًا حتى لا تتعرض للانتقاد أو الاتهام بالتقصير. وقد تتحول هذه التوقعات الاجتماعية إلى عبء نفسي إضافي، خصوصًا عندما لا تجد المرأة من يستمع إليها أو يساعدها على فهم مشاعرها والتعامل معها بصورة صحية.
ومن هنا، تبرز أهمية الإرشاد النفسي بوصفه مساحة مهنية تساعد الأفراد على فهم مشكلاتهم، والتعامل مع الضغوط، وتطوير أساليب أكثر وعيًا في مواجهة الأزمات، وفقًا لطبيعة كل حالة واحتياجاتها. فالمرأة لا تحتاج دائمًا إلى من يقدم لها حلولًا جاهزة، بقدر ما تحتاج إلى من يساعدها على رؤية خياراتها بوضوح، وفهم ظروفها، واتخاذ قراراتها بصورة واعية وآمنة.
الإرشاد الأسري والزواجي.. من التعامل مع الأزمات إلى الوقاية منها
لا تقتصر أهمية الإرشاد الأسري والزواجي على التعامل مع المشكلات بعد تفاقمها، بل تمتد إلى تعزيز الوعي بطبيعة العلاقات الإنسانية، وأهمية الحوار والتواصل، وفهم الاختلافات بين الزوجين، والتعامل مع الخلافات بصورة تقلل من آثارها النفسية والاجتماعية.
فالعلاقات الأسرية المستقرة لا تقوم على غياب الخلافات، وإنما على القدرة على إدارتها بصورة مسؤولة، مع احترام كرامة كل طرف واحتياجاته وحدوده. كما أن طلب المساعدة المتخصصة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره دليلًا على فشل العلاقة، بل قد يكون خطوة واعية لفهم المشكلة والبحث عن سبل التعامل معها.
وتزداد أهمية هذا الدور عندما تمتد الخلافات الزوجية إلى الأبناء، الذين قد يجدون أنفسهم وسط صراعات لا يدركون أسبابها أو كيفية التعامل معها. فحماية الأطفال نفسيًا لا تعني فقط توفير احتياجاتهم المادية، بل تتطلب أيضًا مراعاة مشاعرهم، وإبعادهم عن النزاعات، وعدم استخدامهم وسيلة للضغط أو الانتقام بين الوالدين.
وفي حالات الانفصال، تصبح الحاجة إلى الوعي النفسي والأسري أكثر إلحاحًا، حتى يتمكن الأبوان من التعامل مع التغيرات الجديدة بصورة مسؤولة، مع الحفاظ على احتياجات الأطفال النفسية واستقرارهم قدر الإمكان.
التأهيل العلمي مسؤولية.. وليس مجرد تدريب
إن إعداد كوادر متخصصة في الإرشاد النفسي والأسري والزواجي يمثل جانبًا أساسيًا من تطوير الخدمات المقدمة للأفراد والأسر؛ فالتعامل مع المشكلات الإنسانية يتطلب معرفة علمية، وتدريبًا عمليًا، وقدرة على الاستماع والتقييم، والتزامًا واضحًا بأخلاقيات المهنة وحدود الاختصاص.
ولا يمكن اختزال العمل في مجال الصحة النفسية في الرغبة في مساعدة الآخرين أو امتلاك خبرات شخصية، مهما كانت أهميتها؛ فكل حالة لها ظروفها وخصوصيتها، وما يناسب شخصًا قد لا يناسب غيره. لذلك تظل جودة التأهيل، وكفاءة التدريب، والالتزام بالمعايير المهنية، من العناصر الأساسية لضمان تقديم خدمات إرشادية مسؤولة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والجهات المعنية بقضايا المرأة، بما يتيح ربط المعرفة العلمية باحتياجات المجتمع، ويسهم في تطوير الكفاءات المهنية القادرة على التعامل مع التحديات الأسرية والنفسية بوعي وكفاءة.
كما أن نجاح هذه المبادرات لا يتوقف عند إطلاق البرامج التدريبية، بل يرتبط بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس، من خلال إعداد متخصصين مؤهلين، ونشر ثقافة الاستعانة بالمختصين، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الوقاية النفسية والتعامل المبكر مع المشكلات.
من تمكين المرأة إلى دعمها نفسيًا
إن تمكين المرأة لا يعني فقط إتاحة الفرص أمامها أو تعزيز مشاركتها في الحياة العامة، بل يشمل أيضًا احترام احتياجاتها النفسية، ومساندتها في مواجهة الأزمات، وتوفير خدمات متخصصة تساعدها على استعادة توازنها حين تمر بظروف صعبة.
فالمرأة التي تتلقى دعمًا نفسيًا مناسبًا تصبح أكثر قدرة على فهم احتياجاتها، والتعامل مع الضغوط، وبناء علاقات أكثر وعيًا، واتخاذ قرارات تتناسب مع ظروفها. كما أن دعمها لا ينعكس عليها وحدها، بل قد يمتد أثره إلى أبنائها وأسرتها ومحيطها الاجتماعي.
ولا يعني ذلك تحميل المرأة وحدها مسؤولية استقرار الأسرة أو معالجة مشكلاتها، بل التأكيد على أن الدعم النفسي والأسري مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا مجتمعيًا، ومؤسسات مؤهلة، وخدمات مهنية تراعي حقوق الأفراد وكرامتهم.
خطوة تستحق البناء عليها
يمثل التعاون بين جامعة عين شمس والمجلس القومي للمرأة، من خلال مركز الإرشاد النفسي بكلية التربية، فرصة لتعزيز الاهتمام بالإرشاد النفسي والأسري والزواجي، وفتح المجال أمام إعداد كوادر متخصصة قادرة على المساهمة في مواجهة التحديات التي تمس المرأة والأسرة المصرية.
وتبقى أهمية هذه الخطوة مرتبطة بما يمكن أن تحققه على أرض الواقع من تطوير للخدمات الإرشادية، ورفع مستوى الوعي، وتحسين فرص الوصول إلى الدعم المتخصص، بما يضمن أن تكون المعرفة العلمية أداة حقيقية لمساندة الإنسان في لحظات ضعفه واحتياجه.
فالمرأة ليست مطالبة بأن تتحمل كل شيء بمفردها، والأسرة لا تحتاج فقط إلى من يدعو إلى استقرارها، بل إلى من يساعد أفرادها على بناء علاقات أكثر أمانًا واحترامًا ووعيًا.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الصحة النفسية للمرأة والأسرة ليس رفاهية، بل ضرورة مجتمعية، وخطوة أساسية نحو مجتمع أكثر وعيًا بإنسانه، وأكثر قدرة على حماية كرامة أفراده ودعمهم.






