لماذا نكره كلمة “آسف”؟

يحكي لي صديقي، الذي عاش في كندا لمدة عامين تقريبًا، أن الشعب الكندي يقول كلمة “آسف” طوال الوقت،فحتى لو أحتكَّ أحدهم بشخص آخر في الطريق احتكاكًا طفيفًا، ستجد كلاهما ينطق بهذه الكلمة في اللحظة نفسها تقريبًا
وإذا حاولنا معرفة سبب ذلك، فسنجد أن الثقافة هناك – وربما في كثير من بلاد الغرب – تجاوزت المعنى التقليدي لكلمة “آسف” باعتبارها مجرد اعتذار أو اعتراف بالخطأ، لتصبح وسيلة لتهدئة النفوس وتجاوز الأمور البسيطة، لأن هناك ما هو أهم. فالتوقف معًا لتوجيه اللوم والإصرار على معرفة المخطئ يثير العصبية وربما يؤدي إلى الشجار، وفي النهاية لن ينتصر أحد.
ونظرًا للمخاوف من اعتبار الاعتذار اعترافًا بالخطأ في حوادث السيارات، أقرت كندا في عام 2009 قانون Apology Act، الذي يتيح للأفراد الاعتذار دون الخوف من المساءلة القانونية، حتى يتمكنوا من الاستمرار في قول “آسف” بلا مخاوف.
وقد أظهرت دراسة أن الشخص البريطاني العادي يقول كلمة “آسف” حوالي ثماني مرات يوميًا، وأن واحدًا من كل ثمانية أشخاص يعتذر 20 مرة يوميًا. وفي بريطانيا، قد يقابلك شخص في يوم ممطر ويبدأ حديثه معك معتذرًا بسبب المطر!
في دراسة أجرتها أليسون وود بروكس، الباحثة في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد، استعانت بروكس وزملاؤها بممثل ليجري تجربة على 65 شخصًا من الغرباء في محطة قطارات أمريكية في يوم ماطر. طلب الممثل من هؤلاء الغرباء استخدام هواتفهم، وفي نصف الحالات استهل حديثه بعبارة: “آسف بالنسبة للمطر”. وعندما فعل ذلك، أعطاه 47% من الغرباء هواتفهم، مقارنة بـ9% فقط عندما طلب هواتفهم دون استخدام هذه العبارة.
قارن هذه الفكرة بما يحدث في بلدنا…
استخدام كلمة “آسف” نادر للغاية، ونادرًا ما نسمعها في الحوارات العادية بين الناس. لماذا؟ لأن الجميع لا يعتبرونها مجرد محاولة لتهدئة المواقف أو تعبيرًا عن اللباقة، بل يرونها اعترافًا بالذنب وتحملًا للمسؤولية وربما ارتكابًا لجريمة! كما أن الكثيرين يظنون أنها تمثل تنازلًا عن الكرامة والمكانة. ويا سلام لو كنت وسط مجموعة من الأصدقاء! لن تخرج هذه الكلمة منك ولو على جثتك! فمجرد ذكرها في حوار بين شخصين، أو حتى في رسالة هاتفية، يُعتبر في عقلية البعض إهانة شخصية، فما بالك لو كنت وسط مجموعة؟
أعتقد أن هذا العزوف عن استخدام كلمة “آسف” ينبع من تركيبة فريدة لبعض المصريين، الذين لديهم اعتزاز مرضي بالذات وثقة وهمية بأنهم لا يمكن أن يكونوا مخطئين، وأنه لا أحد يفوقهم فهمًا ودراية. وهذه الفكرة ليست فقط سبب رفض الاعتذار، بل هي أيضًا مصدر للكثير من الصفات المربكة التي تنعكس على المجتمع.
كم من مصائب تحدث بسبب عدم رغبتنا أو عدم قدرتنا على الاعتذار؟ كم من مواقف كان يمكن أن تهدأ وتمر بسلام لو أن أحد الأشخاص بادر بالقول: “آسف”؟
ما الحل؟
لا أعرف. لكنني أميل دائمًا إلى البدء بالبحث والاستقصاء. علينا أن ندرك حجم ثقافة الاعتذار في مجتمعنا، وما هي الكلمات والأفعال التي نستخدمها للتعبير عن الأسف، وما دلالاتها، ولماذا يندر الاعتذار، وكيف يمكن تحويله إلى شيء إيجابي، ولماذا يرتبط في أذهان البعض بالإهانة الشخصية؟ بعد الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، يمكننا أن نبدأ في التغيير.
أتخيل يومًا تنتشر فيه كلمة “آسف” بين المصريين، ستقل الحوادث والجرائم الاجتماعية ربما إلى النصف، وستشهد معدلات الطلاق تراجعًا كبيرًا، وسيعود الأصدقاء والأحباء إلى بعضهم، ولن تتوقف حركة المرور لساعات بسبب شجار بين شخصين محوره: “أنت الغلطان مش أنا”!
هل تعلم أنني شخصيًا لا أجد أي غضاضة في قول كلمة “آسف” لابنتي الصغيرة ذات السبعة أعوام! حتى عندما أرفض لها طلبًا، أقول: “آسف، مش هقدر”، أو حين لا أنتبه إليها، أقول: “آسف، مكنتش واخد بالي”. ولا أشعر حينها بأي ندم أو توتر
ابدأوا بقول “آسف” لأحبائكم، ولا تخجلوا. ستكون هذه بداية جيدة.
بقلم: فيصل شمس