
السابعة.. الثامنة.. التاسعة.. ثم توقف أسعد عن تحطيم زجاجات العطر وهو يلهث ووجه محتنق من شدة غضبه بعد أن ترك جسده شديد البدانة يسقط فوق مقعده داخل محل العطور وهو يتفوه بعبارات بذيئة هائجة سب بها زوجته چيهان أو طليقته بمعنى أدق،
جاءه الخبر من نصف ساعة على لسان عزت صديقه القديم، چيهان من رئيسها في العمل بعد طلاقهم بأربع شهور فقط، بالكاد فترة العِدة وفترة وجيزة للتحضير، كان معه حق عند إتخاذه قرار الإنفصال والطلاق، لم تعد كما عهدها من قبل، من فترة وهى آخرى غير التي أحبها وعرفها، حتى علاقتها بأولادهم تبدلت وتغيرت وأصبحت تتأخر في عملها وتعود في وقت متأخر وبالكاد تُلقي عليهم السلام وتختفي خلف باب غرفتها،
حجتها ثابتة لا تتغير، كبروا الأولاد وتخرجوا من جامعاتهم ولم يعودا بحاجة لرعايتها وعملها يستحق ويحتاج لكل وقتها، وحده أسعد من كان يرفض ذلك ويطالبها بتقليل عدد ساعات عملها، رغم أنه يقضي اليوم كله بمحل العطور الخاص به، إلا أن وجودها خارج المنزل طوال اليوم يربكه ويقلقه ويصيبه بالضيق والغضب، دعاها أكثر من مرة أن تشاركه العمل في المحل وترك عملها دون جدوى،
عنيدة متمردة لا تقبل أن يملي أحد شروطه عليها مهما كانت صفته، منذ بداية زواجهم وحياتهم وهى هكذا ولا تقبل التغير أو مجرد مرونة التنازل والتوافق وفي المقابل كان يسعده تلبية طلباتها وتتفيذ أومرها ورغباتها وهو يؤكد لها أن فعل ذلك يعد تعبيرًا عن حبه لها، عملها كان هو متنفسها الوحيد وعالمها الخاص المحبب لقلبها وبأرجاءه تشعر بنفسها وحريتها وسلطتها الكاملة على قرارتها ورغباتها،
أسعد لم يكن بهذا الشكل عندما أحبته ووافقت على الزواج منه، كان أرشق وأنشط وصاحب تطلعات وأحلام تمتد حتى حدود الكواكب المجاورة، بمرور الأيام والسنوات ذابت تطلعاته وتاهت أحلامه وإكتفى بمحل العطور وايراده وكرس حياته من أجل أسرته الصغيرة وبدل أحلامه بأحلامهم ووضع تطلعاتهم وأمانيهم قبل كل شئ حتى نفسه،
الجلوس الطويل في المحل ساهم في زيادة وزنه حتى أصبح بدين يملك جسد مترهل وبطن عملاق يسند عليه معصميه عند جلوسه حتى أسنانه فقط بعضها وأصبحت إبتسامته معبرة عن سوء حالة فمه، ضريبة دفعها عن طيب خاطر وهو لا يعرف أن جيهان ترى وتقابل وتحادث من هم أرشق منه وأكثر منه لياقة وحفاظًا على شكلهم الخارجي ووسامتهم، بعض الأزواج يمروا في الحياة وهم يظنوا أن حب زوجاتهم لهم يشبه إرتباطهم بديانتهم، يولدوا بها ويعتنقوها حتى موتهم، قد يعصون وقد يهملون في عبادتهم ولكنهم لا يبدلوها أو يغيروها أو من الأساس يشغلهم البحث عن غيرها أو يهمهم البحث عن إستحقاقها إعتناقهم لها،
لم يخطر بباله وهو يداعبها ببطنه العملاق بمرح طفولي أنها تكتم بداخلها ضيقها من هيئته وتكره ما وصل إليه من كيلوات زائدة من الدهون، لم يشطح خياله ولو مرة أنها تفحص الذكور من حولها وتقارن بينه وبينهم وتنعت حظها السئ وتؤمن أنها إمراءة تعيسة الحظ وقعت بين ذراعي زوج أهمل هيئته وتعامل معها كأنها إبنته لا يقل حبها لوالدها مهما كبر وشاخ ومهما تغير شكله أو زادت كيلوات دهونه،
أغمض عقله عن مشاعرها وتعاملها مع آخرون لا يبيعون العطر مثله بل ينثروه فوق ملابسهم ويمروا بها ويحادثوها ويبتسموا وترى أسنانهم المنتظمة شديدة البياض،
ترأس جمال عملها وجاور مكتبه الجديد مكتبها وأصبحت تراه كل يوم أكثر من عشر ساعات وترى مدى درجة اهتمامه بمظهره وشياكته ووجاهته حتى في جلسته وهو يحرص على الجلوس بظهر مفرود وأكتاف مرفوعة وإبتسامة شبه ثابته فوق ملامحه، لعنة الله على تلك الوظائف التي تجعل من ذكر وأنثى غرباء يقضون الساعات الطوال متلازمين مترافقين مشتركين في الحديث والطعام والشراب وحتى المزاح والضحكات،
جمال بعد أن رحلت زوجته أصبح أكثر احتياجًا لچيهان ولوجودها برقتها وقوامها الممشوق وحُسن طلتها ونضرتها وتوهجها كأنها فتاة صفيرة وليست كأم تجاوزت منتصف الأربعينات، ملابسها الأنيقة تُعلن عن أنوثة مؤكدة تحتها،
إذا جاورت مريض انفلونزا مدة طويلة إنتقلت لك العدوى منه، كما حدث مع چيهان وهى تلتقط عدوى الإعجاب والهيام من جمال وأصبحت تتفنن في إختراع الأسباب ليقضوا وقت أطول في العمل وكأن العودة للمنزل بمثابة عقاب يجب أن تتلقاه كل مساء حتى تعود مهرولة في الصباح لعالم جمال وعدوى هيامه بها وكلامه الموحي بإستمرار أنه يأنس لوجودها ولا يرغب في أن تتركه وتغادر،
الوقت يمر والإقتراب يزداد والحواجز تتساقط من تلقاء نفسها والأحاديث تجنح نحو الصوت الهامس والعبارات ذات المعاني المزدوجة ورائحة عطره تسكن روحها وكأنها لم تسمع من قبل عن العطور ولم تشم رائحتها إلا بعد معرفته،
تمردت وكشرت عن أنياب عنادها وبحثت عن كل ما يعجل الشجار والصراع مع أسعد حتى أصبحت حياتهم جحيم لا يطاق وإستحوذت بمفردها على غرفة نومهم وأصبحت تعود من عملها وتغلق الباب عليها وتحادث جمال حتى تنام، أحاديثه لا تنتهي وحكايته لا تنضب ودعابته لا تفشل مطلقًا في إبهاجها وجعلها تتمنى أن تشاركه فراشه وتسند رأسها على صدره وتسمع حديثه وهى تحدق في شفتيه،
صرخت بوجه أسعد بغضب عارم وهى تصفه بالبشع البدين والمهمل الأناني وتطالبه بالطلاق حتى نفذ صبره وفعلها وغادرت البيت بلا نية للرجوع، أصبحت حرة.. تخلصت من قيود قدميها وأصبحت تملك القدرة على الركض نحو ذراعي جمال الذي أخبرها بلا تحفظ أنه يحبها وأنه يتمنى لو أنهم تقابلوا في بداية حياتهم وتزوجها هى لا غيرها،
إنتظرت انقضاء العِدة بلهفة ولم تقبل توسلات أبناءها ولا دعوات أسعد في الرجوع، لم تعد ترى غير جمال وتمني دخول عالمه مهما كلفها الأمر حتى لو قاطعت أبناءها وخسرتهم للأبد، تم تكميم عقلها بشدة تعلقها بجمال وسحره ورشاقته ونظافة أسنانه وإنتظامها وبهاء إبتسامته،
بعد أن تم عقد قرانهم بمكتب المأذون برفقة شهود أحضرهم بمعرفته، تعلقت بذراع جمال وذهبت معه لبيته وهى تقفز بدلًا من المشي من شدة سعادتها، إختفت بغرفة نومها الجديدة وإرتدت رداء مخصوص للقائهم الأول وتعطرت بعطر جديد إشترته من محل آخر غير محل أسعد وتزينت وخرجت له وهى تحمل مشاعر فتاة صغيرة محاطة بخجلها وهو يراها لأول مرة بملابس فاضحة كاشفة عن جسدها بوضوح،
وقف أمامه مبتسمة بخجل تضع يديها حول خصرها وهو ينظر إليها بتفحص وقد غابت إبتسامته وأخفت شفاهه المضمومة حول سيجارته نظافة أسنانه وإنتظامها، إندهشت من رد فعله وتجمدت مكانها حتى سمعت صوته وهو يتحدث كما كانت تسمعه وهو يحادث أحد العملاء، وبدى وكأنه يعاين منتج جديد أو يقيم بضائع وصلت للتو وعليه تثمينها، عبارات جافة قصيرة وهو يعبر عن دهشته من جسدها وأن ملابسها كانت تُخفي كل هذا الكم من العيوب، بطن مترهل نوعًا وبه آثار جروح قديمة واضحة بسبب الولادة وأفخاذ ممتلئة بعروق زرقاء وجلد لم يعد مشدود ولامع ونهدين كبنادول الساعة متدلين كأنهم على وشك ترك صدرها والسقوط، لم تشعر أنها تعرت عندما إرتدت رداء عاري وكاشف لجسدها لكنها شعرت بالتعري فقط حين سماعها تعليق جمال وهو يشرح باستياء عيوب جسدها، وجمت وإرتبكت وماتت إبتسامتها وإعتدلت في وقفتها ولم تعرف كيف تتصرف وهى تسمعه يصفها بالقبح رغم عدم التصريح حتى قام وجذبها من يدها ودفعها نحو الفراش وهى جامدة مبهوتة وتنظر له بحسرة وصدمة وهو يتخلص من ملابسه ويلقي بجسده فوقها ويحاول ويحاول ويحاول حتى مل وتأفف وقام من فوقها وهو يتحدث بصوت به حدة بسبب جفافها ويوبخها على ذلك ويطالبها بالبحث عن ملين أو مرطب أو أي شئ يسهل عليه إثبات زواجهم،
تركها وحيدة بغرفتها لتعود من جديد للنوم بمفردها ولكن وهى تبكي وتتذكر أسعد،
أسعد الذي لم يتوقف يوم عن مغازلتها حتى تمردت هى عليه وحكمت أن يهجر غرفة نومهم وتركها تتمتع بوحدتها،
أسعد الذي لم يجمعهم الفراش ولو مرة واحدة دون أن يقبل قدميها وهو يخبرها ويؤكد لها أنه يفعل ذلك عن اقتناع ورغبة في فعل ذلك من فرط حبه لها، كان يمطرها بقبلاته حتى يمر بسهولة دون أدنى إعاقة أو رفض من جسدها،
الحياة مع جمال أصبحت تدور فقط حول عيوب جسدها وضرورة ممارسة الرياضة أو حتى عمل عمليات تجميل وشد جلد والأهم قراره الصادم بضرورة ترك عملها وحجته المختصرة أنه لا يتحمل أن تلازمه في البيت والعمل، جمال كان في محنة فقد بعد رحيل زوجته وكراهية الوحدة دفعته للبحث عن التعويض ولم يجد أمامه غيرها وهى تجلس بجواره طوال اليوم، علاج مؤقت أو مسكن وفور الشعور بالتحسن ننسى أين وضعنا علبة الدواء،
صدام وعراك وشجار حتى صرخ بوجهها بعد أقل من شهرين وطلقها وخرجت من منزله بحسرتها وهى تحمل حقيبة ملابسها ومعها خيبتها وعارها بعد أن أصبح الجميع يتحدث عنها ويقصون حكايتها بتقزز أنها الزوجة التي تركت بيتها وزوجها وأولادها بعد أن وقعت في عشق رئيسها في العمل،
هاتفت أكبر أبنائها وهى تبكي وتخبره بأنها تطلقت وأنها أخطأت وندمت وتريد الرجوع لهم ولبيتها،
قفز من السعادة وركض لمحل والده ووجده جالسًا بشرود بين زجاجات عطره، أخبره بما حدث وندم والدته ورغبتها في العودة، تطلع إليه بصمت وهو يلوي فمه ثم مر بجواره دون أن ينطق بحرق وقم بجمع زحاجات العطر المكسورة المكومة بأحد الأركان وقام وألقى بالزجاج المكسور خارج المحل ثم عاد وتحدث كأنه لم يسمعه وقال بهدوء وصوت يخرج من أعماقه، مازالت رائحة العطر تسكن قطع الزجاج المكسور لكنها لم تعد تصلح أن تعطر ملابس أحد بعد الآن.




