كاتب ومقال

«وثائق النسخ المنسية»

مواسم الوجوه الراحلة

كلنا موتنا كذا مرة..
أما تبقى شاب بيموت الطفل، وانت شايب وعجوز بيموت الشاب، كلنا موتنا كذا مرة، وكل مرة بنبكي، لكن…. مفيش أغلى من الحياة.
• محمود عبد العزيز.. «أبو هيبة»
• مسلسل جبل الحلال 2014

في زاوية منسية من البيت، يرقد ذلك الألبوم الذي لا يصدر عنه صوت، ولا يتنفس لكنه يروي كل ما كتمناه عن الزمن ويحتفظ بأنفاسنا القديمة.

جلست أقلب الألبوم كمن يفتح نافذة على زمن كان فيه الضوء ألين، والضحك أسهل، والعيون أكثر صدقًا.
كل صفحة كنت أظنها ستعيد إليّ شيئًا مني، لكنها كانت تسحبني أكثر نحو الغياب.
في كل صورة وجه يشبهني… لكنه ليس أنا.
تلك النظرة المليئة بالدهشة، أين اختبأت؟
تلك الابتسامة التي كانت تبدأ من القلب قبل الشفاه، من سرقها؟

أدركت فجأة أن الألبوم ليس مجرد ذكريات، بل سجل لانطفاء تدريجي، وثيقة صامتة لحياة كانت تضيء وانطفأت بهدوء، دون ضجيج.

سيرة ذاتية لا تكتب بالحبر..

تمر السنين، وينحت الزمن تجاعيد دقيقة على الوجه تحفرها المواقف، ضوء يخف ببطء كشمعة انهكت من العطاء.

كل صورة في الألبوم تشبه لقطة من فيلم حياتك، لكن حين تقلب الصفحات ببطء تكتشف أن الفيلم لم يكن كله ضحكًا. تكتشف أن تلك الابتسامات القديمة لم تعد بريئة كما كانت، وأن البريق في العين الذي كان يسبق الكلمات انطفأ بلا عودة.

تبدأ الصور الأولى بريئة، وجوه ممتلئة بالحلم، ضحكات صافية بلا حساب، نظرات فيها فضول الحياة. ومع كل عام يمر، يبدأ الوجه يفقد إشراقه شيئًا فشيئًا، وكأن الروح تتآكل من الداخل قبل أن يلمسها الزمن من الخارج.

الصور لا تحفظ الزمن، بل تحاكمه..

عدسة الكاميرا في الصور لا تعرف المجاملة. الكاميرا تلتقطك كما أنت، لا كما تتمنى أن تكون. هناك لحظة يكتشف فيها الإنسان أنه لم يعد هو نفسه في الصور الحديثة.

تبدأ الحيرة:
هل فعلاً كنت بهذه الحيوية؟،
من هذا الشخص الذي أراه الآن؟،

متى فقدت تلك الملامح؟.

تبدو الصور القديمة وكأنها تشهد عليك، على كل ما خسرته دون أن تدري: الأحلام التي تخليت عنها، والعلاقات التي ماتت، والضحكات التي لم تعد تخرج من القلب.

مرآة غير صالحة للاستخدام..

في مرحلة ما، يتوقف الألبوم عن كونه صندوق ذكريات، ويصبح مرآة خادعة، كل وجه تراه بين الصفحات ليس سوى نسخة منك لم تعد تنتمي إليها.

الزمن ليس لصًا كما نظن، بل تاجر بارع. يعطيك خبرة وهدوءًا وواقعية، لكنه يسحب بالمقابل شيئًا من وهجك، شيئًا من جنونك الأول، من اندفاعك للحياة.

تتغير ملامح الوجه لتصبح مرآة لما حدث في الداخل: تجاعيد عند أطراف العين من كثرة البكاء أو الضحك، خطوط دقيقة حول الفم من الصمت الطويل، وميض غائب في العينين من حكايات لم تروى بعد.
الزمن يعيد تشكيل وجهك بطريقته الخاصة، ليجعله مرآة دقيقة لرحلتك…جميلة كانت أم موجعة.

الحنين: حين نشتاق لمن كنا عليه..

الحنين ليس إلى الأماكن أو الأشخاص فقط، بل أحيانًا نشتاق لأنفسنا القديمة.
نرى في الصور شخصًا كنا نحبه: نثق أكثر، نحلم أكثر، نضحك دون تردد.
يصبح الألبوم أشبه بمقبرة للأرواح التي كناها، نعود إليها في الليالي الباردة لنزور ذكرياتنا كما نزور موتانا.
وفي كل مرة، نغلق الألبوم بسرعة كأننا نحاول الهروب من مواجهة الحقيقة… أننا لم نعد أولئك الناس.

مع مرور السنين، تصبح الصور أكثر هدوءًا، أقل بريقًا، أكثر حذرًا في الابتسامة، كأننا لم نعد نصور لحظات الحياة، بل نحاول إثبات أننا ما زلنا أحياء.

تصبح العدسة فلاتر، نحاول من خلالها تجميل التعب، تلوين الإرهاق، إخفاء الفراغ في العينين.
لكن الحقيقة تظل واضحة: لم تعد الحياة تلمع كما كانت.

أغلقتُ الألبوم ببطء، وكأني أودع وجوهًا سكنتني يومًا ثم رحلت.
لم أعد أخاف من ذلك الانطفاء في ملامحي، فقد فهمت أخيرًا أن الضوء لا يرحل، بل يتبدل مكانه. ما عاد في العينين بريق، لكن في القلب نور التجربة، وفي التجاعيد أثر لحكايات لم تذهب هباء. ربما لم أعد كما كنت، لكني صرت أكثر وعيًا، أكثر صدقًا، أكثر إنسانًا.

أدركت أن الانطفاء شكل آخر من النور.. فالوجوه تطفئها الحياة حينًا.. لتضيء أرواحنا بطريقتها الخاصة.
وحين يأتي يوم نلتقط فيه صورة جديدة، ربما لن نبحث عن الجمال فيها، بل عن الصدق، لأننا أخيرًا صرنا نعرف أن الوجوه لا تشيخ… بل تنضج.

فدع وجهك يحمل آثاره، فكل أثرٍ فيه شهادة ميلادٍ جديدة لروح نضجت أكثر مما كانت.

بقلم

سمر مرسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى