
لم يعد السؤال الاقتصادي اليوم: كيف ينمو العالم؟ بل كيف يتنفس؟ ففي لحظة تاريخية تتشابك فيها خيوط السياسة بالجغرافيا وتتصاعد فيها الأزمات من أطراف الخريطة إلى قلبها يبدو الاقتصاد العالمي وكأنه جسد مثقل يلهث تحت وطأة الضغوط يبحث عن جرعة “أكسجين” تعيد إليه التوازن المفقود.. المشهد لم يعد تقليديا. لم تعد الأزمات مجرد دورات اقتصادية معتادةبل تحولات عميقة تعيد تشكيل قواعد اللعبة نفسها. حرب ترفع أسعار الطاقة سلاسل إمداد تتعثر تضخم يزحف إلى موائد البسطاء قبل أسواق المال وبنوك مركزية تحاول إطفاء النيران بأدوات لم تعد كافية وحدها. هنا لا نتحدث عن أزمة عابرة بل عن لحظة اختبار كبرى لصلابة النظام الاقتصادي العالمي.
في قلب هذه الأزمة يبرز سؤال جوهري: من يملك مفاتيح “الأكسجين”؟ هل هي الدول المنتجة للطاقة التي تتحكم في شريان الحياة الأول للاقتصاد؟ أم البنوك المركزية التي تدير سياسات الفائدة والسيولة؟ أم القوى الكبرى التي تعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي وفق مصالحها؟
الإجابة في حقيقتها أكثر تعقيدا. فالأكسجين اليوم لم يعد موردا واحدا بل منظومة متكاملة من النفوذ: طاقة، غذاء، تكنولوجيا، وقرار سياسي. ومن يملك القدرة على التحكم في هذه العناصر يملك القدرة على التأثير في إيقاع الاقتصاد العالمي صعودا وهبوطا.. لقد كشفت الأزمة الراهنة هشاشة ما كان يعتقد أنه نظام مستقر. فالعولمة التي بشّرت بعالم مفتوح ومترابط أظهرت وجها آخر حين تحولت إلى شبكة معقدة من الاعتماد المتبادل حيث يمكن لاضطراب في منطقة محدودة أن يمتد أثره إلى قارات بأكملها. وهنا لم يعد الانفصال خيارا سهلا ولا الاعتماد الكامل خيارا آمنا.. الدول الكبرى تدرك ذلك جيدا.
ولهذا نشهد تحولا تدريجيا من منطق “السوق الحر المطلق” إلى منطق “الأمن الاقتصادي”. لم تعد الكفاءة وحدها هي الحاكمة بل أصبح الأمان في الإمدادات والسيطرة على الموارد وإعادة توطين الصناعات جزءا أساسيا من المعادلة. إنها عودة صامتة للدولة ولكن بثوب اقتصادي جديد.
أما الدول النامية فتقف في منطقة أكثر تعقيدا.. فهي ليست صانعة للأزمة لكنها تدفع ثمنها مضاعفا. ارتفاع الأسعار تراجع القدرة الشرائية ضغوط على العملات وتحديات في جذب الاستثمارات. وهنا يصبح التحدي ليس فقط في الصمود بل في القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة عبر إعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الإنتاج وتقليل الاعتماد على الخارج.
في هذا السياق تبدو مصر نموذجا يستحق التأمل. ففي قلب عاصفة عالمية تسعى الدولة إلى تحقيق توازن دقيق بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية بين جذب الاستثمارات والحفاظ على الاستقرار الداخلي. ليست مهمة سهلة لكنها تعكس إدراكا عميقا لطبيعة المرحلة حيث لا يكفي التفاعل مع الأزمة بل يجب استباقها.. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في السياسات بل في الرؤية.
فالعالم اليوم لا يحتاج إلى حلول تقليدية لأزمات غير تقليدية. يحتاج إلى تفكير مختلف يتجاوز الأرقام إلى فهم أعمق للتحولات. فالتضخم ليس مجرد ارتفاع في الأسعار بل انعكاس لاختلالات أوسع. والتباطؤ ليس مجرد تراجع في النمو بل إشارة إلى تغير في بنية الاقتصاد العالمي.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل يمكن للعالم أن يتنفس مجددا بنفس الأدوات القديمة؟ أم أن اللحظة تفرض إعادة صياغة كاملة للنموذج الاقتصادي؟ ربما تكون الإجابة في مزيج من الاثنين.
فلا يمكن القفز على الواقع ولا التمسك الأعمى بالماضي. المطلوب هو التوازن: سياسات نقدية أكثر مرونة استثمارات ذكية في القطاعات الحيوية تعاون دولي حقيقي يتجاوز الشعارات وإرادة سياسية تدرك أن الاقتصاد لم يعد منفصلا عن الأمن والاستقرار.. وفي النهاية يظل “الأكسجين” الحقيقي للاقتصاد هو الثقة.. الثقة في السياسات في المؤسسات في المستقبل.. فحين تتآكل الثقة يختنق الاقتصاد مهما توفرت الموارد.. وحين تبنى الثقة يمكن للأزمات أن تتحول إلى محطات عبور لا نقاط انهيار.
اقتصاد العالم اليوم يقف على حافة اختبار صعب. ليس فقط اختبار القدرة على التعافي بل اختبار القدرة على التعلم.. ومن ينجح في هذا الاختبار لن يملك فقط الأكسجين… بل سيعيد تعريفه.




