
أتذكر الحاج محمود كما يتذكر المرء صورة قديمة عثر عليها بين أوراق صفراء. رجل طويل القامة، جميل الملامح، فيه بقية من وسامة قديمة لا تزال تقاوم التجاعيد كما تقاوم مصابيح الحارة عتمة آخر الليل. كان يمشي بخطوات مرتعشة، لا تدري أهي خطواته التي ترتجف، أم الأرض التي لم تعد ثابتة تحت قدميه.
كان الزمن قد فعل به ما يفعله الزمن بكل من طال به المقام في هذه الدنيا؛ لم يهدمه دفعة واحدة، بل أخذ منه كل يوم شيئًا صغيرًا، حتى إذا نظر الرجل إلى نفسه ذات صباح لم يعرف أين ذهبت قوته، ولا متى بدأ جسده يفاوضه على أبسط الحركات.
ومع ذلك، كان الحاج محمود يمضي في حارتنا كمن يعاند حكمًا صدر منذ زمن. يتوكأ على عصاه المزخرفة، تلك العصا التي طالما أعجبتني. لم تكن عصا عادية، بل بدت كأنها آخر قطعة أناقة يحتفظ بها رجل قديم في زمن لم يعد يلتفت إلى الأناقة. زخارف دقيقة محفورة في الخشب، ورأس لامع من كثرة ما قبضت عليه يده. كانت العصا تشبه صاحبها: متعبة، لكنها نبيلة.
كان ترزيًا. لا، لم يكن مجرد ترزي. كان من هؤلاء الرجال الذين كانوا يعتقدون أن المهنة ليست وسيلة للرزق فقط، بل طريقة في فهم العالم. كان يخيط ملابس الرجال، خاصة الجلباب البلدي، بذلك الصبر الذي صار نادرًا. يأخذ المقاس كأنه يقرأ سرًا خفيًا في الجسد، ويمد القماش أمامه كأنه يبسط خريطة قدر، ثم يبدأ في القص والخياطة وهو يعرف أن الغلطة الصغيرة قد تفسد كل شيء.
ولطالما كرهتُ الجلباب البلدي.
لا أدري لماذا. ربما كرهتُ ما فيه من تأنق زائد، من ألوان تختال بلا سبب، من ياقة تقف كأنها صاحبة جاه، من أزرار لامعة لا وظيفة لها إلا أن تقول: انظروا إليّ. كنت أرى في دقة تفصيله مبالغة لا ضرورة لها، وفي العناية به تكلفًا يثير ضيقي. كنت أتساءل: لماذا كل هذه الجدية في ثوب؟ لماذا يحتاج الرجل إلى كل هذا الاحتفال وهو ذاهب إلى عزاء أو فرح أو جلسة على مصطبة؟
لكن الحاج محمود كان يرى فيه ما لا أراه.
كان يرى في الجلباب هيئة الرجل، ووقاره، ومقامه بين الناس. يرى أن الثوب قد لا يصنع الإنسان، لكنه يكشف كيف يحب الإنسان أن يظهر أمام الدنيا. وكان يقول لي أحيانًا، وهو يبتسم في هدوء:
ـ يا بني، القماش له روح. والمقص إن لم يحترم الروح، قتلها.
كنت أضحك في سري من هذه العبارات. قماش وروح ومقص قاتل! لكنني كنت أحب الجلوس معه. كان في كلامه شيء من زمن بعيد، زمن كانت الأشياء فيه أبطأ وأثقل وأكثر معنى. وكنت أعجب بعناده؛ ذلك العناد الذي لا يشبه عناد الشباب، بل عناد من يعرف أن المعركة خاسرة، لكنه يرفض أن يخرج من الميدان قبل أن يسلّم على خصمه.
وذات يوم، قابلته يحمل لفة قماش.
كان وجهه مضيئًا على نحو لم أره منذ زمن. كأن الرجل صغر عشرين عامًا دفعة واحدة. كأن الدم عاد يجري في عروقه بقوة، وكأن الرعشة في يده توقفت احترامًا لفرحه. كان يحتضن لفة القماش كما يحتضن الأب طفلًا تأخر مجيئه.
قال لي بصوت فيه انتشاء خفي:
ـ سأصنع خمس عباءات لرجل من أثرياء الحارة.
ثم اقترب مني كمن يسر بسر عظيم، وقال:
ـ الرجل جاءني بنفسه. قال لي: يا حاج محمود، هذا قماش يندر وجوده في القطر كله. ولم أجد أكفأ منك لتخيطه لي.
كان يحكي الجملة وكأنه يتذوقها. لم تكن مجرد عبارة مجاملة بالنسبة له، بل كانت شهادة عودة من المنفى. لقد ظل سنوات يرى الناس تنصرف عن مهنته، عن الجلباب، عن التفصيل، عن الصبر. صاروا يشترون الملابس الجاهزة كما يشترون الخبز؛ بسرعة ودون علاقة. لم يعد أحد يريد أن يقف طويلًا ليؤخذ مقاسه، ولم يعد أحد يؤمن أن الثوب يحتاج إلى روح.
ثم جاء هذا الرجل الثري، يحمل قماشًا نادرًا، ويقول له: لم أجد أكفأ منك.
آه، ما أضعف الإنسان أمام كلمة تعيده إلى شبابه!
انتشرت القصة في الحارة كلها. والحق أن الناس كانوا يسمعون ولا ينصتون. هناك فرق كبير بين أن تسمع حكاية رجل عجوز وجد حلمًا، وبين أن تنصت إلى ارتجافة قلبه وهو يرويها. بعضهم فرح له فرحًا عابرًا، من باب المجاملة. وبعضهم قال: ربنا يكرمه. وبعضهم هز رأسه ومضى. وبعضهم سخر في خفاء وقال: لقد انتهى زمن هذه الملابس، وانتهى زمن الحاج محمود نفسه، لكنه لا يريد أن يفهم.
والحارة لا ترحم كثيرًا. هي تحفظ أسماءنا، لكنها لا تحفظ أحلامنا إلا لتتندر بها عند اللزوم.
بدأ الحاج محمود عمله.
في الأيام الأولى كان يمر في الحارة منتصبًا أكثر من المعتاد. يمشي ببطء، نعم، لكن في مشيته زهو لا يخفى. كان كمن عاد إلى الخدمة بعد قرار تقاعد ظالم. رأيته أكثر من مرة يجلس في دكانه الصغير، والنور الأصفر يقع على وجهه، والقماش مفرود أمامه، والمقص في يده، والنظارة تهبط قليلًا على أنفه. كان المشهد كله يبدو كأنه لوحة من زمن مضى.
كنت أتمنى له النجاح، وإن كنت لا أفهم سر هذا الحماس كله. بالنسبة لي كانت خمس عباءات لا أكثر. أما بالنسبة له فكانت محاكمة كاملة. هل ما زال الحاج محمود هو الحاج محمود؟ هل بقيت يده تعرف الطريق؟ هل يستطيع أن يثبت أن الزمن أخذ منه بعض القوة، لكنه لم يأخذ السر؟
بعد أيام، قابلته فوجدته غير الرجل الذي رأيته أول مرة يحمل القماش.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه غائرتين، وكأن الليل قضى فيهما ولم يخرج. سألته عما به، فحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة سقطت في منتصف الطريق.
قال:
ـ رعشة يدي لا تتوقف.
ثم نظر إلى كفه كأنها خانته.
ـ المقص يعاندني. والخيوط المطلوبة لا أجدها. والقماش صعب، ناعم أكثر مما ينبغي، ويهرب من تحت الإبرة كأنه ماء.
ثم امتعض وجهه، وقال بصوت خفيض:
ـ أظنني سأرجع القماش لصاحبه.
لم أدرِ لماذا قلت له بسرعة، وربما بقسوة لم أقصدها:
ـ لعل ذلك هو الأصوب.
نظر إليّ طويلًا.
كانت النظرة موجعة. لم يغضب، ولم يرفع صوته، ولم يعاتبني كما يفعل الناس. فقط نظر إليّ كأنني دفعت بابًا كان يسنده بظهره. ثم اغرورقت عيناه وقال:
ـ لم أظنك تقول لي ذلك.
كانت الجملة سكينًا صغيرة. أدركت يومها أن النصيحة قد تكون صادقة وقاسية في الوقت نفسه، وأننا حين نقول لإنسان: انسحب، قد نكون في الحقيقة نقول له: أنت لم تعد كما كنت.
قال بعد صمت:
ـ سأكمل عملي.
ومنذ ذلك اليوم صار الحاج محمود لا يلتفت إليّ كثيرًا وهو يتحرك في الحارة. كان يمر من جانبي كأنه لم يرني، أو كأنه رآني أكثر مما ينبغي. كنت أريد أن أقول له إنني لم أقصد كسر فرحته، وإنني تمنيت فقط أن يرحم نفسه، لكن الكلمات أحيانًا تأتي متأخرة، وحين تأتي تجد الباب مغلقًا.
ورغم ذلك تمنيت له النجاح بصدق.
كنت أراه كل يوم، وكل يوم تتغير ملامحه. في البداية كان فرحًا، راضيًا عن نفسه وعن الدنيا. يحكي عن معاركه القديمة مع القماش، وعن زبائن كانوا لا يثقون إلا في يده، وعن رجال كبار لبسوا من صنعه في أفراحهم ومآتمهم. كانت ذاكرته دكانًا آخر، مليئًا بأثواب لا يراها سواه.
لكن الأيام التي تلت ذلك بدلت وجهه.
غزاه الهم، ثم الحزن، ثم شيء أثقل من الحزن: الندم. ذلك الندم الذي يأتي قبل الكارثة أحيانًا، كأنه رسولها الأسود. كان يسير بعصاه، لكن العصا لم تعد زينة ولا رفيقة؛ صارت شاهدًا على عجزه. كان ينظر إلى يده كثيرًا. اليد التي أطعمته عمرًا كاملًا، وربت أبناءه، وخاطت للناس بهجتهم ووقارهم، صارت الآن ترتعش في اللحظة التي تحتاج فيها إلى الثبات.
تورط الرجل في قصة العباءات.
وهناك تورط لا يصنعه الطمع، بل تصنعه الكرامة. تورط حين يريد الإنسان أن يثبت أنه لم ينتهِ. حين يسمع تصفيق الماضي في أذنه، فيظن أنه ما زال واقفًا على المسرح نفسه، وأن الجمهور نفسه ينتظر معجزة جديدة.
كنت ألمح صاحب العباءات من حين إلى آخر. رجل ثري، متأنق، يعرف قيمة القماش وقيمة نفسه أكثر مما ينبغي. كان ينظر إلى الحاج محمود بقلق وتوجس، وربما بشيء آخر لم أستطع تسميته. لعلّه كان يتمنى نجاحه، ولعلّه كان يتمنى هزيمته حتى يثبت لنفسه أن الزمن لا يحترم أحدًا. بعض الناس لا يكتفون بأن يتقدموا، بل يريدون أن يروا من سبقوهم يسقطون.
بدأ الرجل يتململ.
ـ أين ملابسي يا حاج محمود؟
وكان الحاج محمود يجيبه بصوت مهزوز:
ـ اصبر. الشغل الجيد يحتاج وقتًا.
لكن الوقت لم يكن في صفه. الوقت الذي كان يومًا صديقه في الدكان، صار خصمه. كان كل يوم يمر يسرق من ثقته شيئًا. وكل ليلة يقضيها أمام القماش تزيد الرعشة في يده، حتى كأن الخوف نفسه صار خيطًا يلتف حول أصابعه.
ثم جاء اليوم الذي تسلم فيه الرجل ملابسه.
لا أعرف تفاصيل ما حدث داخل الدكان، لكنني عرفت النتيجة من وجوه الناس. كانت العباءات تحمل أخطاء فادحة. ميل في القص، اضطراب في الخياطة، سقوط في المقاسات، وتشوه لا يليق بقماش نادر ولا باسم الحاج محمود.
ثار الرجل الثري.
كسا صوته الحارة كلها. أخذ يكيل للحاج محمود كلمات قاسية، لا تقطع القماش بل تقطع ما تبقى من الروح. قال ما يقوله الناس حين يشعرون أن مالهم أُهين: نسي عمر الرجل، ونسي يده التي خدمت، ونسي أن أمامه شيخًا لا خصمًا. لم يرَ إلا القماش الضائع، والمال المهدور، والوجاهة التي لن تكتمل.
أما الحاج محمود فتلقى الكلمات صامتًا.
كان واقفًا كمن تلقى صفعة من الزمن لا من الرجل. لم يدافع عن نفسه. لم يقل إن يده ترتعش، وإن عينيه تخونانه، وإن الخيط صار رفيعًا أكثر مما يحتمل، وإنه ظل الليل كله يحاول إصلاح ما فسد. لم يقل إن العباءات لم تكن خمس قطع قماش، بل آخر محاولة لإنقاذ صورته أمام نفسه.
سكت.
وأحيانًا يكون الصمت هو آخر ما يملكه الإنسان حين تخذله الكلمات واليد والناس.
بعد ذلك انطفأ الحاج محمود.
لا أقصد أنه مات، بل حدث ما هو أبطأ من الموت وأشد إيلامًا: تهاوى فيه شيء كان يسنده من الداخل. صار يمشي في الحارة كأنه يؤدي واجبًا لا يرغب فيه. لم تعد العصا مزخرفة في عيني، بل صارت ثقيلة. لم يعد الرجل يعاند الزمن، بل يمضي معه صامتًا، كمن قبل الهزيمة دون أن يوقع على شروطها.
وذات يوم قابلني، فسلمت عليه بحذر. توقعت أن يتجاهلني كما فعل في الأيام السابقة، لكنه توقف.
قال لي:
ـ لا تلومني.
لم أكن ألومه، لكن يبدو أن الإنسان حين ينكسر يسمع اللوم حتى في السلام.
قلت له شيئًا لا أذكره الآن، شيئًا من تلك الكلمات التي نقولها حين لا نعرف كيف نداوي أحدًا. لكنه لم ينتظر عزاءً.
قال:
ـ الخطأ مني.
ثم تنهد طويلًا، وأضاف:
ـ لماذا يعتقد كل منا أنه فريد بين البشر؟ لماذا يظن أن القوانين كلها ستنحني له وحده؟ الزمن يمضي على الجميع، والمرض لا يجامل أحدًا. لكننا نصدق أن معنا استثناءً سريًا، ورخصة خاصة من السماء.
سكت قليلًا، ثم قال:
ـ كنت متبخترًا بأحاديث قديمة. كنت أعيش على أفراح ماضية. كنت فرحًا بمقاومتي للمرض والرعشة، كأن المقاومة وحدها تعني الانتصار.
كان كلامه هادئًا، لكن فيه مرارة من وصل إلى الحقيقة متأخرًا.
قال:
ـ أتممت مهمتي. تعلم الأولاد، وصاروا رجالًا. أكلوا من يدي، ولبسوا من تعبي، وخرجوا إلى الدنيا. ماذا بقي؟ نزهة الحارة اليومية، والسلام على الناس، وذكريات أرددها حتى أصدق أنها ما زالت حية.
ثم رفع يده المرتعشة أمام عينيه، كأنه يراها لأول مرة.
ـ لماذا لا يردعنا الزمن والمرض؟ لماذا لا نسمع حين تنبهنا أجسادنا؟ اليد تقول: كفى. العين تقول: كفى. الظهر يقول: كفى. ونحن نقول: مرة أخيرة. دائمًا مرة أخيرة.
لم أعرف ماذا أقول.
كان الحاج محمود في تلك اللحظة أعظم من كل حكماء الكتب؛ لأنه لم يكن يتكلم من برج عالٍ، بل من حفرة وقع فيها. والحكمة التي تخرج من الجرح تكون أكثر صدقًا من الحكمة التي تخرج من فم الواعظ.
قال:
ـ لو رأيت فرحتي يوم جاءني الرجل بالقماش. ظننت أن الماضي عاد. ظننت أن الله أعطاني فرصة أخيرة لأثبت أنني ما زلت أنا. ولو رأيت هزيمتي يوم جاء يتسلم ملابسه، لعرفت أن الإنسان قد يسقط من داخله قبل أن يسقط على الأرض.
ثم قال جملة ظلت معي طويلًا:
ـ لماذا نحمل أنفسنا ما لا نطيق، ثم نشكو الألم؟
لم تكن مجرد جملة. كانت بابًا واسعًا.
كم مرة نحمل أنفسنا ما لا نطيق لأننا نخجل من الاعتراف بالعجز؟ كم مرة نقبل معركة لا تناسب سننا ولا صحتنا ولا طاقتنا، فقط لأن صورتنا القديمة تراقبنا من المرآة؟ كم مرة ندخل حلبة خرجنا منها منذ زمن، ثم نندهش حين لا تصفق لنا الجماهير؟
الإنسان لا يهزمه الضعف وحده، بل يهزمه إنكاره للضعف.
هناك كرامة في المحاولة، نعم، لكن هناك كرامة أيضًا في معرفة الحد. ليست كل عودة بطولة، وليست كل مقاومة حكمة. أحيانًا يكون الانسحاب هو آخر أشكال الشجاعة. وأحيانًا يكون قول الإنسان: لم أعد أقدر، أصدق من ألف خطبة عن الصمود.
لكن من يقنع القلب بذلك؟
القلب يحب الأساطير. يحب أن يصدق أن صاحبه مختلف، وأن الخريف قد يمر بجانب شجرته دون أن يسقط ورقة منها. يحب أن يقول: صحيح أن الآخرين يشيخون، أما أنا فسأظل كما كنت. صحيح أن أيديهم ترتعش، أما يدي فستثبت حين تحتاج. صحيح أن الضوء يخفت في عيونهم، أما عيني فستظل ترى الخيط الرفيع في سواد الليل.
ثم تأتي لحظة صغيرة، مقص يعاند، خيط ينقطع، قماش يفسد، كلمة قاسية من رجل غاضب، فينهار القصر كله.
نظرت إلى الحاج محمود يومها وشعرت أنني لا أرى رجلًا عجوزًا فقط، بل أرى مصيرًا مؤجلًا لكل واحد منا. كلنا لنا قماش نادر نحلم أن نخيطه في اللحظة الأخيرة. كلنا لنا عباءات نريد أن ننجزها لنثبت لأنفسنا أننا لم ننته. وكلنا سنقف يومًا أمام رعشة ما، في اليد أو القلب أو الذاكرة، ونسأل: أأكمل أم أعيد القماش لصاحبه؟
اللهم ارزقنا بصيرة نعرف بها موضع أقدامنا.
اللهم لا تجعل ماضينا فخًا، ولا تجعل كرامتنا قيدًا، ولا تجعل عنادنا طريقًا إلى فضيحتنا.
ومع ذلك، لم أستطع أن أحكم على الحاج محمود بقسوة. كيف أحكم على رجل أراد أن يستعيد نفسه؟ كيف ألوم شيخًا صدق كلمة مدح جاءت متأخرة؟ نحن جميعًا نعيش على كلمة حلوة تقال في الوقت المناسب. كلمة واحدة قد تعيد لرجل عشرين عامًا، وقد تدفعه إلى مغامرة فوق طاقته.
نعم، أخطأ. لكنه لم يخطئ من باب الغرور الفج وحده. أخطأ لأنه كان يريد أن يودع نفسه القديمة بطريقة تليق بها. كان يريد أن يقول للحارة: ما زلت هنا. كانت العباءات الخمس في حقيقتها خمس صرخات مكتومة.
لكن الزمن لا يصغي كثيرًا للصرخات. الزمن خياط قاسٍ، يأخذ مقاسنا دون أن يستأذن، ويفصل لنا ثوب النهاية بهدوء مريب.
بعد أيام رأيته يعود إلى نزهته اليومية في الحارة.
لم يعد كما كان، لكن شيئًا فيه لم يمت تمامًا. كان يمشي أبطأ، ويتكئ على عصاه أكثر، ولا يكثر من الحكايات القديمة. لكنه كان يسلّم على الناس، ويبتسم أحيانًا، تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تزعم النصر ولا تنكر الهزيمة.
ورغم كل شيء، قلت لنفسي: سيتعافى.
ليس التعافي أن يعود الإنسان كما كان. هذا وهم جميل، لكنه وهم. التعافي الحقيقي أن يقبل الإنسان أنه لم يعد كما كان، ثم يجد طريقة هادئة ليكمل. أن يترك المقص إذا عاندته اليد، دون أن يكره اليد. أن يغلق الدكان إذا انتهى زمنه، دون أن يلعن السنوات التي فتحه فيها. أن يمشي في الحارة لا بوصفه أسطورة قديمة، بل بوصفه رجلًا أدى ما عليه، وبقي له أن يتصالح مع المساء.
وسيمضي الحاج محمود في الحارة، بعصاه المزخرفة وخطواته المرتعشة، يحكي أحيانًا عن أيامه القديمة، وربما يبالغ قليلًا، فليبالغ. للشيخوخة حق في قليل من الزخرفة، كما للجلباب البلدي حق في ياقة متأنقة وزر لامع.
أما أنا، فقد صرت أنظر إلى الجلباب البلدي بطريقة مختلفة.
لم أعد أراه مجرد قماش متكلف وألوان زاهية. صرت أرى فيه محاولة الإنسان القديمة أن يرتب هيئته أمام الفناء. أن يقول للدنيا: سأخرج إليك نظيفًا، مهندمًا، حتى لو كان قلبي مرتعشًا. صرت أفهم لماذا كان الحاج محمود يأخذ الأمر بجدية. فالثوب، في نهاية الأمر، ليس قماشًا فقط. إنه ستار صغير نضعه على هشاشتنا.
والحاج محمود لم يكن يخيط الجلابيب وحدها.
كان يخيط للرجال وهمًا نبيلًا بأنهم ما زالوا قادرين على الوقوف مستقيمين أمام الدنيا.
ثم جاء يوم احتاج فيه هو إلى من يخيط له هذا الوهم، فلم يجد إلا يده المرتعشة، وقماشًا نادرًا، ورجلًا لا يرحم، وحارة تسمع ولا تنصت.
رحم الله قلوبًا عرفت حدها دون أن تنكسر.
ورحم الله الحاج محمود، وهو حي يمشي بيننا، فقد علمني أن الإنسان لا يشيخ حين ترتعش يده، بل حين يصدق أن قيمته كلها كانت في ثباتها.
وعلمني أن آخر الخيط ليس نهاية الثوب دائمًا؛ أحيانًا يكون بداية الحكمة.




