رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| مصر التي تتغير.. هل تغيرت معها طريقة تفكيرنا؟
بقلم: شحاتة زكريا

هناك أسئلة لا تحتاج إلى إجابة سريعة لأنها أكبر من أن تُختصر في نعم أو لا. ومن بين هذه الأسئلة: هل تغيرت مصر بالفعل؟ والإجابة واضحة أمام أعيننا؛ فخلال السنوات الأخيرة تغيرت أشياء كثيرة في شكل الدولة وفي حجم المشروعات وفي طبيعة الخدمات وفي أدوات العمل والتواصل. لكن السؤال الأكثر أهمية ربما ليس: ماذا تغير في مصر؟ وإنما: ماذا تغير فينا نحن؟ فقد تتغير المدن والطرق والمرافق لكن التغيير الحقيقي يظل ناقصا إذا لم يصل إلى طريقة تفكير الإنسان وسلوكه ونظرته إلى المستقبل.
مصر التي نعيش فيها اليوم ليست هي نفسها التي عرفناها قبل سنوات. هناك مشروعات كبرى وتوسع عمراني وشبكات طرق، ومدن جديدة وتطوير في قطاعات مختلفة، وتحول رقمي يقتحم تفاصيل الحياة اليومية. لكن كل هذه التحولات تضع أمام المواطن مسؤولية جديدة: أن يتغير هو الآخر لا أن يظل بعقلية الماضي داخل واقع جديد.. وهنا تبدأ القضية الحقيقية…لا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية قديمة.
فالمستقبل لم يعد ينتظر من يملك الشهادة فقط، وإنما من يمتلك القدرة على التعلم والتطوير والعمل. وسوق العمل لم يعد كما كان والتكنولوجيا لم تعد رفاهية والذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا بعيدًا عن حياتنا، بل أصبح عنصرًا يعيد تشكيل كثير من المهن والوظائف والمهارات.. ولهذا لم يعد السؤال الذي يجب أن نوجهه إلى أبنائنا: ماذا ستعمل عندما تكبر؟» فقط، وإنما يجب أن نسألهم أيضا: ماذا تستطيع أن تتعلم؟ وماذا تستطيع أن تصنع؟ هذه النقلة في التفكير هي جوهر التغيير..
لقد تربت أجيال على فكرة أن النجاح يبدأ من الحصول على الشهادة ثم البحث عن وظيفة وكأن الطريق له بداية واحدة ونهاية واحدة. أما اليوم فقد أصبح الطريق أكثر اتساعًا وتعقيدًا. هناك العمل الحر وريادة الأعمال والمهن الجديدة والمهارات الرقمية والتخصصات التي لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.. وهذا لا يعني التقليل من قيمة التعليم أو الشهادة، وإنما يعني أن الشهادة يجب أن تكون بداية الطريق لا نهايته.. والأمر نفسه ينطبق على مفهومنا للعمل.. لم يعد مقبولا أن نبحث عن وظيفة فقط لأنها تمنحنا راتبا دون أن نسأل عن قيمة ما نقدمه. الدول لا تتقدم بعدد الموظفين وإنما بما ينتجونه ويضيفونه. والاقتصاد القوي لا يقوم على الاستهلاك وحده وإنما على الإنتاج والإتقان والابتكار..
ومن هنا فإن تغيير ثقافة العمل أصبح جزءا من معركة التنمية.. الموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص والعامل الذي يحافظ على معداته والطبيب الذي يحترم مريضه والمعلم الذي يدرك أن بين يديه مستقبل أجيال والشاب الذي يتعلم مهارة جديدة بدلا من انتظار فرصة جاهزة كل هؤلاء يشاركون في بناء الدولة حتى لو لم يحمل أحدهم شعارا أو يشارك في مشروع ضخم .. التنمية ليست فقط ما نراه في الشوارع وإنما ما نفعله نحن داخلها.
وهنا نصل إلى قضية لا تقل أهمية: المسؤولية.. اعتدنا أحيانا أن ننظر إلى الدولة باعتبارها المسؤولة عن كل شيء، بينما الحقيقة أن الدولة والمجتمع طرفان في معادلة واحدة. من حق المواطن أن يحصل على خدمة جيدة.ومن واجبه أن يحافظ عليها. ومن حقه أن يطالب بالقانون ومن واجبه أن يحترمه. ومن حقه أن ينتقد ومن واجبه أن يكون نقده بحثا عن الإصلاح لا مجرد رغبة في الهدم.. لا يمكن أن نطالب بشوارع نظيفة ثم نلقي المخلفات فيها ولا أن نطالب بمرافق حديثة ثم نتعامل معها بإهمال ولا أن نتحدث عن الانضباط بينما نبحث دائما عن الاستثناء لأنفسنا..
الدولة الحديثة تحتاج إلى مواطن حديث في سلوكه قبل أن يكون حديثا في أدواته.. وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والإعلام ومؤسسات الشباب والمجتمع المدني. فبناء الوعي ليس مسؤولية مؤسسة واحدة. ولا يمكن أن نطلب من الدولة أن تبني الإنسان وحدها بينما تترك بقية المؤسسات دورها.
والشباب تحديدًا هم الاختبار الحقيقي.. لدينا أجيال جديدة أكثر اتصالا بالعالم وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات وأكثر استعدادا لتجربة أفكار مختلفة. لكن هذه الطاقة تحتاج إلى توجيه وفرص حقيقية.. مراكز الشباب.على سبيل المثال يمكن أن تكون أكثر من مجرد ملاعب وأماكن للأنشطة التقليدية. يمكن أن تصبح مساحات لاكتشاف المواهب وتعليم المهارات، وتشجيع التطوع، وريادة الأعمال، والتكنولوجيا والثقافة…والقرية المصرية كذلك تحتاج إلى أن تنتقل من مرحلة تطوير المكان إلى مرحلة تطوير الإنسان. فإذا تغيرت الطرق والمباني والخدمات وبقيت أحلام الشباب محدودة فإن نصف المهمة فقط يكون قد اكتمل.
المطلوب ليس تغيير شكل الحياة فقط وإنما تغيير سقف الطموح.. أن يعرف الشاب أن القرية يمكن أن تكون بداية مشروع، وأن الموهبة يمكن أن تتحول إلى مهنة وأن التكنولوجيا يمكن أن تفتح له بابا لا تحده حدود المكان.
وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن نفهم التغيير باعتباره تخليا عن قيمنا. على العكس نحن في حاجة إلى أن نحافظ على قيم العمل والاحترام والتكافل والانتماء لكن نعيد تقديمها بصورة تناسب العصر.. فليس معنى الحداثة أن نفقد هويتنا وليس معنى التطور أن نتخلى عن أخلاقنا.. مصر تحتاج إلى عقل يعرف كيف ينظر إلى المستقبل وقلب يحافظ على انتمائه ويد تعمل بإتقان.. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل تغيرت طريقة تفكيرنا بالفعل؟ ربما تغير الكثير وربما ما زال الطريق طويلا.. لكن المؤكد أن التغيير الحقيقي لا يحدث بقرار إداري فقط، ولا بمشروع ضخم ولا بقانون جديد. التغيير الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان أن عليه دورًا، وأن نجاح الدولة ليس خبرًا يقرأه وإنما واقع يشارك في صناعته.
نحن أمام مرحلة تحتاج إلى مواطن لا ينتظر دائما من يفتح له الباب وإنما يبحث عن الباب الذي يستطيع أن يفتحه بنفسه…مواطن يحترم الوقت ويقدر العمل ويحترم القانون ويحافظ على المال العام ويتعلم باستمرار ويقبل الاختلاف ويعرف أن النجاح لا يأتي بالشكوى وحدها.. مصر تتغير وهذا أمر نراه كل يوم.. لكن اكتمال الصورة لن يكون عندما تتغير المباني والطرق فقط وإنما عندما تتغير طريقة تفكير الإنسان الذي يعيش في هذه المباني ويسير على هذه الطرق ويستخدم هذه الخدمات.. فالدولة تستطيع أن تبني مدرسة لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل الطالب محبا للعلم.
وتستطيع أن توفر مركزا للشباب.لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع من الشاب صاحب موهبة مشروعا ناجحا وتستطيع أن تنشئ طريقا حديثا لكنها لا تستطيع أن تضع الانضباط داخل عقل كل من يستخدمه.. وهنا تكمن الحقيقة التي يجب ألا نغفل عنها: التنمية التي تغير شكل المكان مهمة لكن التنمية التي تغير الإنسان هي التي تصنع المستقبل.. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس فقط: ماذا أنجزنا؟بل أيضا: هل أصبحنا أكثر وعيا؟ أكثر مسؤولية؟ أكثر قدرة على العمل؟ وأكثر استعدادًا للمستقبل؟
إذا كانت الإجابة نعم فنحن لا نبني مصر جديدة فقط وإنما نبني إنسانا جديدا قادرا على حماية ما تحقق وصناعة ما هو قادم.. أما إذا تغير كل شيء حولنا وبقينا نحن كما كنا فسوف يكون التغيير قد وصل إلى المكان لكنه لم يصل بعد إلى الإنسان.. ومصر في النهاية لا يصنع مستقبلها الحجر وحده.. وإنما الإنسان الذي يعرف قيمة هذا الحجر ويحسن البناء فوقه.



