كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| نحن نجيد النجاة.. لكننا نسينا كيف نعيش

بقلم: شحاتة زكريا

في أوقات كثيرة لا تكون المشكلة أن الحياة أصبحت أصعب بقدر ما تكون المشكلة أننا أصبحنا أكثر مهارة في احتمال صعوبتها…نستيقظ كل صباح نذهب إلى أعمالنا نتابع أبناءنا ننجز ما علينا، ندفع ما علينا، ونقول الجملة التي اختصرنا بها كثيرا من مشاعرنا:الحمد لله كله تمام ثم يعود كل واحد منا إلى بيته يحمل معه يوما كاملا لا يعرف أين يضعه.

نجحنا في أن نبدو بخير لكن هل نحن بخير فعلا؟

ربما هذه هي المسألة التي لا نملك وقتا كافيا لنسألها لأنفسنا.

لقد تعلمنا كيف نعبر الأيام الثقيلة دون أن نتوقف وكيف نواصل الطريق حتى عندما لا نعرف إلى أين نمضي وكيف نخفي قلقنا حتى لا نقلق من حولنا.وكيف نبتلع التعب ونؤجل الحديث عنه إلى وقت لا يأتي.. تعلمنا كيف ننجو.

لكننا نسينا وسط كل هذا كيف نعيش…والنجاة ضرورة حين تضيق الحياة لكنها تصبح مشكلة حين تتحول إلى أسلوب دائم للحياة.. فالإنسان الذي يقضي سنواته كلها في محاولة ألا يخسر قد يكتشف في النهاية أنه لم يمنح نفسه فرصة واحدة ليربح شيئا يستحق…قد يحافظ على وظيفته لكنه يفقد شغفه…يحافظ على صورته أمام الناس لكنه لا يعود يعرف صورته أمام نفسه…يحافظ على البيت بينما يختفي دفء البيت بالتدريج ويحافظ على علاقاته لكنه يصبح عاجزا عن الشعور بأنه قريب فعلا ممن يحب نحن نخلط أحيانا بين الاستمرار والحياة أن تستيقظ كل صباح وتذهب إلى عملك لا يعني بالضرورة أنك تعيش كما تريد وأن تضحك وسط الناس لا يعني أن داخلك خال من التعب وأن تقول أنا قوي لا يعني أنك لا تحتاج إلى من يسأل عنك بصدق.

هناك أشخاص لا يريدون حلا لمشكلاتهم بقدر ما يريدون لحظة واحدة يشعرون فيها أن أحدا فهمهم لكن عالمنا المعاصر لا يمنحنا كثيرا من هذه اللحظات كل شيء أصبح سريعا الخبر سريع، والرد سريع، والقرار سريع، والنجاح يجب أن يكون سريعا، وحتى الحزن لم يعد مسموحا له أن يأخذ وقته يجب أن تتجاوز وأن تعود إلى عملك وأن تواصل حياتك وكأن القلب جهاز يمكن إغلاقه وإعادة تشغيله.

نحن نعيش وسط ضجيج لا ينتهي نستيقظ على إشعارات وننام على شاشات وبينهما ساعات طويلة من الركض.

نعرف أخبار الآخرين أكثر مما نعرف ما يحدث داخلنا.

نعرف من سافر، ومن اشترى، ومن نجح، ومن احتفل، ومن بدأ مشروعا جديدا لكننا لا نتذكر آخر مرة جلسنا فيها مع أنفسنا بلا هاتف، بلا مقارنة، بلا محاولة لإثبات شيء.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل نحن نعيش حياتنا أم نديرها فقط؟ حين تتحول الحياة إلى قائمة طويلة من الواجبات يصبح الإنسان موظفا في حياته بدل أن يكون صاحبها نذهب لأن علينا أن نذهب ونعمل لأن علينا أن نعمل ونلتقي لأن الموعد محدد ونحتفل لأن المناسبة جاءت ونلتقط الصور لأن اللحظة يجب أن تحفظ ثم تمر اللحظة.

تبقى الصورة بينما لا يبقى في داخلنا كثير من إحساسها.

ربما لهذا أصبح الحنين إلى الماضي أكثر حضورا.ليس لأن الماضي كان مثاليا لكنه كان أكثر امتلاء بالتفاصيل الصغيرة التي لم نكن نعرف قيمتها وقتها جلسة عائلية بلا هواتف.

كوب شاي مع شخص نحبه.. مكالمة بلا مناسبة.. زيارة مفاجئة.. طفل يحكي قصة طويلة ونحن نستمع إليه حتى النهاية.. ضحكة لا تحتاج إلى تصوير.. هذه الأشياء تبدو صغيرة لكنها في الحقيقة هي مادة الحياة المشكلة أننا أصبحنا نبحث عن السعادة في الأحداث الكبيرة بينما كثير من السعادة الحقيقية تختبئ في تفاصيل لا تصلح للنشر.

نحتاج أيضا إلى أن نتوقف عن معاملة الراحة باعتبارها رفاهية فالإنسان ليس آلة إنتاج وليس مطلوبا منه أن يكون قويا طوال الوقت هناك فرق بين المسؤولية واستنزاف النفس وبين الصبر وتأجيل الحياة وبين التضحية وإلغاء الذات أن تتحمل من أجل من تحب شيء نبيل لكن أن تنسى نفسك تماما وأنت تفعل ذلك ليس بطولة ولهذا ربما نحتاج اليوم إلى شيء أبسط من النصائح الكثيرة: نحتاج إلى قليل من الرحمة أن نرحم أنفسنا من المقارنة المستمرة ومن الاعتقاد بأن الآخرين يعيشون حياة أفضل فما نراه ليس الحقيقة كاملة…الابتسامة ليست تقريرا عن حياة صاحبها والصورة الجميلة لا تخبرنا بما حدث قبل التقاطها والنجاح الظاهر لا يكشف دائمًا ثمنه الخفي كل إنسان يخوض معركة لا نعرف تفاصيلها لذلك ربما علينا أن نخفف قليلا من قسوتنا على بعضنا أن نعطي الناس مساحة للخطأ، وللتعب، وللصمت، وللبداية من جديد.فالإنسان لا يحتاج دائما إلى شخص يخبره كيف يصلح حياته أحيانا يحتاج فقط إلى شخص يجلس بجواره حتى تمر العاصفة…نحن بالفعل نجيد النجاة…وهذه مهارة عظيمة خصوصا في زمن كثرت فيه الضغوط وارتفعت فيه كلفة الحياة وأصبح الحفاظ على الاستقرار في حد ذاته إنجازا لكن النجاة وحدها لا تكفي.

نريد أن نضحك دون سبب.. أن نحب دون خوف.

أن نجلس دون استعجال…أن نتحدث دون حساب.

أن نعطي من نحبهم وقتا حقيقيا لا مجرد وجود أجسادنا إلى جوارهم…نريد أن نعود إلى معنى بسيط كدنا نفقده:

أن نكون موجودين في اللحظة التي نعيشها فالحياة ليست فقط أن تصل إلى آخر اليوم سالما الحياة أن تجد في الطريق شيئا يستحق أن تتذكره أن يبقى في قلبك شخص تحمد الله أنه مر من هنا وموقف شعرت فيه أنك كنت على حقيقتك وذكرى تجعلك تبتسم بعد سنوات وأثر طيب تركته في إنسان دون أن تنتظر منه شكرا.. ربما لا نستطيع تغيير العالم كله…ولا نستطيع إيقاف ضغوط الحياة لكن يمكننا أن نمنح أنفسنا حقا صغيرا في الحياة وسط كل هذا الركض.

أن نتوقف أحيانا.. أن نتنفس.. أن ننظر حولنا.. أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا أريد أنا لا ماذا يريد الآخرون مني؟

فقد يأتي يوم نكتشف فيه أننا نجحنا في عبور كل شيء لكننا لم نعش شيئا منه…وهذه ربما أقسى خسارة يمكن أن يتعرض لها الإنسان: أن ينجو من الحياة… دون أن يكون قد عاشها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى