كاتب ومقال

“الساخرة الشريرة”

بقلم: أحمد عبد العزيز صالح

أحكمت رحاب غطاء رأسها بعدة طبقات متتالية وراجعت هيئتها أكثر من مرة أمام مرآتها الكبيرة قبل أن تحمل حقيبتها المتوسطة الحجم فوق ظهرها وتتحرك نحو منزل السيدة إحسان، جلسات العلاج الطبيعي عادة تبدأ بآهات المريض وفي نهايتها تتحول لإبتسامة رضا وشكر،
رحاب بارعة في عملها وتحمل عدة شهادات معتمدة تؤكد خبرتها في جلسات التأهيل، لكن كل ذلك لا يشغل بال مرضاها بقدر ما يشغلهم طريقتها في التعامل معهم، طريقة خاصة وأسلوب حصري لها وحدها، ساخرة بشكل لاذع ولولا ملامحها المريحة ذات الطلة البشوشة لم تقبل أحد أسلوبها وطريقتها، تتعمد التهكم بشكل يصل أحيانًا للوقاحة اللاذعة، لم يُعلّمها أحد هذا الأسلوب وإنما خرج من عقلها من تلقاء نفسه،
تضحك وتلوح بيدها ساخرة.. إجمد كده اومال، بلاش دلع، يا ختي بطة مش عارفة تتحرك، وهكذا حتى تجعل من أمامها يتحدى الألم ويصمم على المرونة وتمام الحركة،
تتعامل بنفس الطريقة مع كل شيء وكل شخص وأي موقف، لا شيء يرعبها ولا شيء يجعلها تشعر بالضعف، بكت وتألمت كثيرًا في الماضي وإستنفذت رصيدها من الضعف والإنهيار بالكامل، لم تعد تملك في جعبتها غير الإصرار والتحدي والمقاومة ودخول أعتى المعارك دون إنتظار دعم أو مجرد التأكد من سلامة وصلاح السلاح،
ملامح تشبه موجات البحر المتتالية ببطء تارة وعنف تارة أخرى، أنوثة واضحة وإبتسامة ساحرة ومع ذلك يتوارى كل ذلك ويتبخر فور أن تفتح فمها وتبدأ في الكلام والتوجيه وتُشعرك أنك أمام مجموعة من الرجال الأشداء وليس أمام امرأة تامة الأنوثة والجمال،
السيدة إحسان عجوز تعاني من ضعف المفاصل وقلة حيلة العضلات وتصلب وضياع رغبتها وقدرتها على الحركة بإنسابية، تنتظر موعد الجلسة كحبيبة تنتظر موعد طال إنتطاره مع حبيبها، حاجتها للجلسة ليست فقط لإرضاء مفاصلها وشد عضلاتها، تنتظر رحاب بوجهها المبتسم وطلتها المبهجة وحتى سخريتها السريعة الإنطلاق دون أدنى تمهيد،
تنفذ تعليماتها وهي لا تكف عن الثرثرة، تشعر بدفء عارم وهي تقص ذكرياتها على مسامع رحاب،
قصتها مع إبن الجيران المراهق، وقصتها مع حبيبها الأول، وقصة زواجها من المرحوم والد أولادها وقصتها مع زوجها الثاني الذي أثبت لها أن الإنسان من سلالة القرود،
تحكي بلا توقف ورحاب لا تفعل شيء سوى السخرية من كل موقف وقصة بدعابة مضحكة تفسد أحيانًا التمرين ويجبران على إعادته، تتهكم عليها وتخبرها بلا خجل أنها امرأة متعددة الحكايات وجاذبة لمشاعر الرجال،
تداعبها وتجعلها تضحك من قلبها وضحكاتها تسري نحو أوردتها ومفاصلها وعضلاتها وتعيدها سنوات للوراء، تفعل كل ذلك بوجه ساخر يحمل ملامح كوميديانات السينما الأشرار ولا تترك فرصة صغيرة واحدة لإحسان أو أي مخلوق أن يشعر لحظة واحدة بما تخفيه تلك السخرية،
رنين هاتف إحسان ينتشلهم من ضحكاتهم، تجيب بجمل قصيرة ووجه مقتضب وتفطن رحاب أنها تهاتف أحد أبنائها، ردود إحسان تكشف جفاف المكالمة ورغبة فاعلها في سرعة الإنتهاء، تُلقي بالهاتف من يدها وتشرد لثوان وهي تشعر بالألم أن رحاب تلبي رغبتها عند طلب رؤيتها بسرعة فائقة، بينما لا يفعل ذلك أيًا من أبناءها وتنتظرهم بالأشهر حتى تحظى بمجرد زيارة خاطفة لا تستغرق سوى دقائق سريعة،
تشعر رحاب بما يدور بخلدها وبخذلانها ويقفز عقلها الساخر الحاد الذكاء فوق أسوار حزن إحسان وتداعبها وهي تضحك.. مش عايزة تلكيك وتقولي تعبت وما نكملش الجلسة يلا شدي حيلك يا بطة يا محطمة قلوب الرجال،
ذكية تعرف كيف تغير مجرى الأحداث، برغم أن قصص إحسان التي تسمعها كما هي في كل مرة، تنبش بعنف في صندوق ذكرياتها وتذكرها بمن تركها وخذلها وإرتدى رداء الغدر بعد أن كان يبيع أثوبة البطولة والشرف في سوق الرجال،
لم يفطن أحد قط أنها تحمل قلب لا يتوقف لحظة واحدة عن البكاء عن ماض لن يعود وغد لا تنتظره أو تحمل أدنى أمل نحوه، لا أحد تخيل وهلة أن دائمة السخرية لم تسخر من شيء قط بقدر ما سخرت من قصتها، ولم تسخر من شخص قط بقدر ما سخرت من نفسها!،
تقوم بدور الساخرة بإتقان وحرفية لا يضاهيها فيها أحد، سرعة بديهتها وذكاءها الحاد يضمنان لها التفوق دائمًا في سباق قراءة العيون واستنباط القلوب، حتى أن السيدة إحسان في نهاية الجلسة بعد أن استعادت لياقتها وإنطلق دمها بسلاسة في عروقها لم تفطن لتلك الدمعة المتراقصة على حافة عين رحاب، لم تفطن لشيء غير أنها دائمًا مُضحكة ومُبهجة.. وساخرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى