
في كل صباح يستيقظ الملايين على ضجيج جديد ليس ضجيج المصانع ولا حركة الأسواق بل صليل سيوف تشحذ في الفضاء الأزرق استعدادا لذبح ضحية جديدة لم تكن تعلم عند منامها أنها ستكون وقود الظهيرة. لم تعد العدالة بحاجة إلى منصة قضاء ولا إلى ميزان يمحص الدليل ويستمع إلى الدفاع بل استبدل ذلك كله بشاشة مضيئة لا تتجاوز كف اليد وزر صغير يضغط عليه العابرون بخفة متناسين أن تلك الضغطة العابثة قد تهدم بيتا وتشرد أسرة وتكتب نهاية إنسان .. ما نراه اليوم ليس مجرد استخدام خاطئ لتقنية حديثة بل هو عودة مريبة لغرائز القطيع القديمة ولكن في ثوب رقمي أنيق. تحول الرأي العام إلى حشود تقف حول حلبة مصارعة رومانية لا تطلب الحق ولا تبحث عن الإنصاف بل تريد دما وتصفيقا وإثارة تكسر بها رتابة يومها. يكفي مقطع فيديو لا تتجاوز مدته ثلاثين ثانية مجتزأ من سياقه أو منشور كُتب بنبرة غاضبة ومظلومية مدروسة لتبدأ المحاكمة الفورية. لا أحد يسأل: ما الذي حدث قبل تشغيل الكاميرا؟ ما هي الملابسات الخفية التي لا تظهرها العدسة؟ وما هي الرواية الأخرى؟ لقد أخرس التريند صوت العقل وصار التثبت في عرف السوشيال ميديا جبنا وتخاذلا بينما المبادرة إلى الشتم والتشهير تمنح وسام الشجاعة الأخلاقية
المفارقة المؤلمة أن هذا البطش الجمعي يمارس دائما تحت رايات نبيلة جدا فنحن نشتم باسم الفضيلة ونهتك الستر باسم محاربة الفساد وندمر البيوت باسم نصرة الحق. يتوهم الواحد منا حين يكتب تعليقا جارحا أو يعيد نشر فضيحة أنه أقام شرع الله أو حقق عدالة الأرض بينما الحقيقة العارية أنه لم يفعل سوى إشباع شهوة خفية في نفسه: شهوة التلذذ بسقوط الآخرين ورغبة دفينة في أن يشعر بتفوقه الأخلاقي على حساب عثرة إنسان ضعيف. إنها أسوأ أنواع النفاق حين يتحول الانتقام والتشفي إلى عمل صالح يُفاخر به فاعله وينام ملء جفنيه ظانا أنه من المصلحين لقد دفعت البشرية قرونا طويلة من التضحيات لتصل إلى قاعدة قانونية وإنسانية ذهبية: المتهم بريء حتى تثبت إدانته وجعلت من المحاكمات العادلة وسيلة لحماية البريء قبل معاقبة المذنب. لكن محاكم الشاشات قلبت هذه القاعدة رأسا على عقب وأرست شريعتها الغابرة: أنت مدان ما دمت قد صرت تريندا ولن يبرئك شيء حتى لو ثبتت براءتك بحكم السماء والأرض. والمأساة تكتمل حين تظهر الحقيقة لاحقا فالملايين الذين شاركوا الاتهام بحماس لا يملكون ذرة شجاعة لمشاركة تكذيبه لأن الاعتذار في عرف الخوارزميات لا يجلب تفاعلا والإنصاف بضاعة كاسدة لا تروق لمن أدمنوا طعم الفضائح. يذهب الجمع ليبحث عن فريسة جديدة وتظل وصمة العار تلاحق المظلوم وأبناءه وعائلته طوال العمر كأنها وشم من نار كُوي به جبينهم بغير حق أين ذهبت مروءة المجتمع وتراثه القائم على الستر وإقالة العثرات؟ لقد كان أجدادنا رغم بساطتهم يدركون أن فضح المخطئ لا يصلحه وأن إشاعة السوء في الناس تفسد المجتمع أكثر مما تصلحه. كان الستر فضيلة النبلاء وكان التماس الأعذار شيمة الكبار. واليوم نرى من يتباهى بهتك الأستار ونشر الخصوصيات وتقديم عورات الناس في مزاد المشاهدات والأرباح متناسين أن المجتمع الذي يفقد حياءه وستره هو مجتمع ينخر السوس في أركانه حتى لو امتلك أرقى درجات التطور المادي.. إن كل واحد منا حين يحمل هاتفه يحمل في يده سلاحا فتاكا الكلمة لم تعد تطير في الهواء كما كانت في الماضي بل صارت تحفر في ذاكرة الإنترنت إلى الأبد. ومن هنا، فإن المسؤولية ليست ملقاة على القوانين وحدها رغم ضرورتها القصوى في ردع التشهير والابتزاز بل تقع بالدرجة الأولى على ضمير الفرد. قبل أن تضغط على زر المشاركة وقبل أن تصب جام غضبك على شخص لم تسمع منه ولم تجلس في مجلس قضائه اسأل نفسك سؤالا واحدا بسيطا ومرعبا ماذا لو كنت أنت مكانه؟ ماذا لو التقطت لك كاميرا خفية لحظة ضعف، أو غضب، أو تصرف أسيء فهمه، ووُضعت في هذا القفص الافتراضي أمام ملايين ينهشون في عرضك بلا رحمة؟ إن التريند دوار والدوائر تدور على الباغي. والذين يصفقون اليوم لإهانة الناس وذبحهم معنويا قد يجدون أنفسهم غدا في قلب الساحة يستجدون رحمة لن يجدوها لأنهم هم أنفسهم من علموا الناس القسوة وهم من نزعوا من القلوب الرحمة العدل لا يُبنى بالصخب والحق لا ينتصر بالرجم. دعوا المحاكم لأهلها واشغلوا أنفسكم بإصلاح عيوبكم قبل أن تنصبوا أنفسكم آلهة تحاسب البشر على الأرض فالعالم لا ينقصه غاضبون ولا جلادون بل تنقصه عقول تفكر وقلوب ترحم وألسنة تعرف متى تصمت سترا وإنصافا.




