
«زمان مكنش فيه اكتئاب، الناس كانت أقوى، وكانت بتستحمل أكتر». جملة بنسمعها كتير كل ما نتكلم عن الصحة النفسية، وكأن الاكتئاب والاضطرابات النفسية ظواهر حديثة ظهرت مع السوشيال ميديا، وضغوط الحياة الجديدة، وسرعة العصر. لكن هل فعلًا الإنسان في الماضي لم يكن يعرف الاكتئاب؟ وهل كانت الحياة وقتها خالية من الأزمات والضغوط التي يمكن أن تترك أثرًا عميقًا في النفس؟ الحقيقة أن المسألة أبعد بكثير من مجرد مقارنة بين «زمان» و«دلوقت».
الاكتئاب لم يبدأ في سنة 1980، ولم يظهر مع جيلنا، بل هو أقدم بكثير من ذلك. الإنسان عرف الحزن العميق، وفقدان الرغبة، والعزلة، واليأس، واضطرابات النوم والشهية، والانهيار النفسي منذ زمن بعيد، لكن المشكلة أن اللغة التي نستخدمها اليوم لوصف هذه الحالات لم تكن موجودة بالشكل نفسه، كما أن الوعي النفسي لدى المجتمع لم يكن بالقدر الذي نراه الآن. كان الإنسان يتألم، لكنه في كثير من الأحيان لم يكن يعرف اسم الألم الذي يعيشه، ولا يعرف أن ما يمر به قد يكون حالة نفسية تحتاج إلى فهم ومساعدة.
ولو أردنا أن نعود بالزمن إلى ما هو أبعد بكثير من الثمانينيات، فالحروب وحدها تكشف لنا أن الإنسان لم يكن محصنًا ضد الانهيار النفسي. خلال الحرب العالمية الأولى، تعرض الجنود لظروف قاسية للغاية؛ قصف متواصل، انفجارات، موت وإصابات، خوف دائم، وعيش لفترات طويلة في أجواء لا تسمح للعقل بالراحة. وظهرت على بعض الجنود أعراض شديدة؛ انهيارات عصبية، فقدان القدرة على الكلام أو الحركة، واضطرابات نفسية وعصبية لم يكن من السهل تفسيرها في ذلك الوقت. وعُرفت بعض هذه الحالات تاريخيًا باسم «صدمة القذيفة» أو «Shell Shock». وفي البداية لم يكن التعامل معها قائمًا دائمًا على اعتبار أصحابها مرضى يحتاجون إلى علاج، بل إن بعض الجنود تعرضوا للاتهام بالجبن أو التخاذل، قبل أن يبدأ الفهم الطبي والنفسي لهذه الحالات في التطور تدريجيًا.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا؛ المرض النفسي شيء، ومعرفة المجتمع بالمرض النفسي شيء آخر تمامًا. فكوننا اليوم نمتلك مصطلحات أكثر، ونعرف الاكتئاب والقلق والصدمة والاحتراق النفسي، لا يعني أن هذه المشاعر والاضطرابات لم تكن موجودة من قبل. ربما كان الفرق أن الإنسان قديمًا كان يصف الشخص بأنه «اتغير»، أو «بقى منعزل»، أو «مش عايز يتكلم»، أو «من بعد اللي حصله وهو مش زي الأول»، بينما أصبح لدينا اليوم قدرة أكبر على فهم هذه التغيرات ووضعها في إطار نفسي وعلمي يساعدنا على التعامل معها.
وفي سنة 1980 تحديدًا، لم يظهر الاكتئاب إلى العالم لأول مرة، لكن شهد علم النفس والطب النفسي تطورًا مهمًا في طريقة تصنيف وتشخيص الاضطرابات النفسية، ومن بينها الإصدار الثالث من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-III. وهنا أيضًا يجب ألا نخلط بين ظهور تشخيص أكثر وضوحًا وبين ظهور المرض نفسه؛ فالعلم عندما يطوّر طريقة تشخيص مرض ما لا يعني أن المرض لم يكن موجودًا قبل أن نضع له معايير واضحة.
لكن ربما يكون أكبر اختلاف بين الماضي والحاضر هو نظرة المجتمع نفسها للصحة النفسية. زمان، كان الذهاب إلى الطبيب النفسي بالنسبة لكثير من الناس أمرًا يتم في الخفاء، لأن المرض النفسي كان محاطًا بدرجة كبيرة من الوصمة والخوف. كان الشخص يخشى أن يعرف الآخرون أنه يتلقى علاجًا نفسيًا، أو أن يُنظر إليه باعتباره ضعيفًا أو «مجنونًا»، ولذلك كان كثيرون يخفون معاناتهم، ويواصلون حياتهم وهم يحملون أشياء كثيرة بداخلهم من دون أن يتحدثوا عنها.
أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بدرجة كبيرة. أصبح الحديث عن الصحة النفسية موجودًا في البيوت، وفي أماكن العمل، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الإنسان أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره والاعتراف بأنه يمر بأزمة أو يحتاج إلى مساعدة. وهذه نقلة مهمة بلا شك، لأن مجرد أن يستطيع الإنسان أن يقول «أنا مش بخير» من دون أن يشعر بالخجل منها، هو جزء من التغيير في ثقافة المجتمع تجاه الصحة النفسية.
لكن في الوقت نفسه، نحن أمام ظاهرة أخرى تستحق التوقف. فمع زيادة الاهتمام بالصحة النفسية، زاد أيضًا استخدام المصطلحات النفسية في حياتنا اليومية، وأصبحنا نسمع عن الاكتئاب والقلق والصدمات والاحتراق النفسي بشكل مستمر. وهذا الوعي مهم، لكن الوعي الحقيقي لا يعني أن نضع تشخيصًا نفسيًا لكل حزن أو نعتبر كل أزمة مرضًا. فليس كل حزن اكتئابًا، وليس كل ضغط اضطرابًا نفسيًا، وليس كل تجربة مؤلمة تعني أن الإنسان مصاب بمرض نفسي. نحن نحتاج إلى ثقافة نفسية حقيقية تساعدنا على فهم أنفسنا، وليس مجرد انتشار للمصطلحات.
أما السؤال الذي يتكرر دائمًا: هل زادت معدلات الاكتئاب فعلًا في الوقت الحالي؟ فالإجابة ليست بهذه البساطة. من الممكن أن تكون ضغوط الحياة الحديثة قد تغيرت وزادت في بعض الجوانب؛ الضغوط الاقتصادية، سرعة الحياة، المسؤوليات المتزايدة، تغير شكل العلاقات، المقارنة المستمرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والخوف من المستقبل، كلها أمور أصبحت جزءًا من حياة الإنسان المعاصر. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن ننظر إلى الماضي وكأنه كان زمنًا بلا أزمات. كانت هناك حروب ونكسات وأزمات اقتصادية وفقد وأمراض وفقر وصراعات أسرية واجتماعية، وكلها كانت قادرة على ترك آثار نفسية عميقة في الإنسان.
لذلك لا يصح أن نقول إن «زمان مكنش فيه اكتئاب» لمجرد أننا لم نكن نسمع الكلمة بنفس الانتشار الذي نسمعها به اليوم. وربما يكون جزء من الصورة الحالية مرتبطًا أيضًا بأننا أصبحنا أكثر قدرة على اكتشاف الحالات والتحدث عنها وطلب المساعدة. فالإنسان الذي كان يعاني في الماضي قد لا يكون قد اختفى، وإنما ربما كان يعاني في صمت، أو لم يعرف أن ما يمر به له تفسير نفسي، أو لم يجد الجرأة أو الفرصة للذهاب إلى متخصص.
في النهاية، لا أعتقد أن المقارنة الحقيقية يجب أن تكون بين إنسان «أقوى» عاش في الماضي وإنسان «أضعف» يعيش اليوم. كل زمن له أزماته، وكل جيل لديه ضغوطه، والإنسان في كل زمان كان يحاول أن يتعامل مع ما يواجهه بالأدوات التي كانت متاحة له. الفرق الأكبر أن أدواتنا اليوم أصبحت أكثر تطورًا، ومعرفتنا بالنفس البشرية أصبحت أوسع، وأصبح من الممكن أن نتعامل مع الألم النفسي باعتباره أمرًا يستحق الفهم والعلاج، بدلًا من أن نطلب من صاحبه فقط أن يتحمل.
الاكتئاب لم يبدأ عندما عرفنا اسمه… والاضطرابات النفسية لم تظهر عندما بدأنا نتحدث عنها.
الذي تغير هو قدرتنا على رؤيتها، وفهمها، والتحدث عنها.
وربما يكون السؤال الأهم من «هل كان زمان فيه اكتئاب؟» هو: كم إنسانًا عاش قديمًا وهو يعاني، ولم يجد أحدًا يسأله ببساطة: إنت تعبان من إيه؟




