كاتب ومقال

«الوثنية الجديدة وأدب القرود»

بقلم: سمر مرسي

ضياع «قدسية المهنة» في الإعلام والإعلان..

قد يبدو غريبًا لدى البعض إن قيل إننا نعيش في عصر «الوثنية الرقمية»؛ حيث تُعبد الأرقام وتُقدس الخوارزميات. وفي ظل هذه العبادة الجديدة، نشأ ما يمكن تسميته بـ «أدب القرود المهني»؛ حيث يُستبدل الإبداع الأصيل بطقوس من التقليد الأعمى والمحاكاة الهزلية التي تستبيح شرف المهنة على عتبة التريند.

في دهاليز الأدب، يُستخدم «القرد» رمزًا للمحاكاة الهزلية التي تفتقر للروح؛ كائن يقلد حركات الإنسان بدقة مدهشة، لكنه لا يدرك جوهرها ولا الغاية منها. واليوم، ونحن نتأمل المشهد الإعلاني والإعلامي المعاصر، نجد أننا نعيش العصر الذهبي لهذا النوع من الأدب التطبيقي، حيث تحولت الوكالات الإبداعية والمنصات الإعلامية إلى مختبرات كبرى لـ المحاكاة العمياء، تحت قناع زائف من الاحترام المهني والقدسية المصطنعة.

1. الوثنية الجديدة: عبادة «الأرقام لا الأفكار»..

لقد فقدت المهنة قدسيتها عندما تحول المبدع من صاحب رسالة أو رؤية جمالية إلى «عابد» في محراب الخوارزمية. في سوق العمل الحالي، أصبحت الأرقام والتريندات هي الأصنام الجديدة التي تُقدم لها قرابين الإبداع الأصيل. هذا الاحترام الزائف للمهنة يظهر في الاجتماعات الفخمة والمصطلحات الرنانة، بينما الجوهر ليس سوى أدب قرود؛ سرقة لأفكار عالمية وإعادة تدويرها محليًا ببلادة تفتقر للحس الإنساني.

2. الإعلامي «الببغاء»: هيبة الشاشة المفقودة

كان للإعلام قدسية تُستمد من البحث عن الحقيقة وصياغة الوعي. اليوم، نرى أدب القرود يتجسد في صناع محتوى ومذيعين يحيطون أنفسهم بهالات من الهيبة الشكلية والديكورات الضخمة، لكنهم لا يفعلون شيئًا سوى اجترار ما يُقال في المنصات الغربية أو تكرار صرخات التيك توك.

إنهم يمارسون التقديس الشكلي للمهنة، بينما يستبيحون شرفها في محراب المشاهدات، محولين الشاشة إلى مرآة تعكس أسوأ ما في المجتمع بدلاً من الارتقاء به.

3. خيانة الأمانة الإبداعية

إن احترام المهنة يقتضي الاعتراف بأن الإعلان والإعلام هما أمانة لتشكيل الذوق العام. عندما يتم تحويل هذه الأدوات إلى مجرد آلات للتقليد (Monkey see..Monkey do)، فإننا لا نخون الجمهور فحسب، بل نقتل الروح التي تجعل من هذه المهن فنونًا رفيعة.

إن الابتذال الحقيقي ليس في بساطة الفكرة، بل في ادعاء العمق عبر استنساخ تجارب الآخرين والتمسح بقدسية مهنية لا وجود لها في الممارسة الفعلية.

4. خريطة الطريق: كيف نستعيد «القدسية الضائعة»؟!

إن استعادة شرف المهنة تتطلب ثورة على مفاهيم «الوثنية الرقمية»، والانتقال من محاكاة القرود إلى إبداع الإنسان:
النزاهة الفكرية: الاحترام الحقيقي للمهنة يرتدي ثوب الأمانة؛ أن تعترف بمرجعيتك وتضيف عليها بصمتك، لا أن تسرقها وتدعي النبوة الإبداعية.
تحرير الإبداع من سجن الخوارزمية: التميز المهني يُقاس بـ الأثر الباقي في وعي الناس، وليس بـ الضجيج اللحظي الذي ينتهي بانتهاء مدة الإعلان.

صناعة المثقف المهني: المبدع الحقيقي لا يمكنه أن يكون قردًا، لأنه يدرك أن لكل فعل سياقًا، ولكل فكرة جذورًا تاريخية وفلسفية، فلا ينقاد خلف كل صرخة عابرة.

إن «قدسية المهنة» ليست “برستيجًا” يُمنح مع بطاقة العمل، بل هي استحقاق يُنتزع بالأصالة والترفع عن الابتذال.
عندما يتوقف الإعلامي والإعلاني عن كونهم مؤدين في سيرك المحاكاة ويتحولون إلى مفكرين ومبدعين، عندها فقط يسقط قناع القرد، ويظهر وجه المبدع الحقيقي الذي يحترم عقل الجمهور قبل أن يحترم جيب العميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى