بعض الاشياء قد نتقبلها باردة

لسنا دائمًا مطالبين بالرفض أو الغضب حين تأتي الأشياء باردة. في أحيان كثيرة نتقبّل البرودة بصمت، لا لأننا راضون عنها، بل لأننا تعلّمنا أن الاعتراض الدائم مُرهق، وأن بعض الصمت أرحم من الشرح. نقنع أنفسنا أن الفتور مرحلة، وأن ما بين الناس لا يُقاس بلحظة واحدة، فنُعيد ترتيب مشاعرنا، ونُخفّض سقف توقعاتنا، ونتعامل مع النقص كأنه امتلاء مؤجّل.
لكن مع الوقت نكتشف أن هناك أشياء لا تعيش إلا بحرارتها، وأن فقدان الدفء ليس تفصيلاً عابرًا، بل تحوّلًا في المعنى نفسه. فالقهوة حين تبرد لا تؤلم، لكنها تُخيب، لأنها لا تُشبه الوعد الذي حملته في بدايتها. وكذلك الردود الباردة؛ لا تُشبه الكلام، بل تُشبه الغياب، وكأن الكلمات تُقال فقط حتى لا يُقال إن الصمت طال. أما الاهتمام، فإذا برد، لم يعد اختلافًا في الطباع ولا سوء فهم، بل انسحابًا هادئًا يحدث دون ضجيج، ودون إعلان صريح للفقد.
وفي مسار حياتنا نلتقي بشخصيات نُرهق أنفسنا بمحاولة احتوائها. نراجع نبرتنا قبل أن نراجع مواقفهم، ونُعيد صياغة كلماتنا خشية أن نُساء فَهمنا، ونُؤجل اعتراضاتنا حتى لا نخسر، ونلوم أنفسنا أكثر مما نسألهم عمّا يفعلون. نفعل ذلك لأننا لسنا ملائكة، ولأننا نخشى أن يكون تقصيرنا سببًا في ابتعاد أحد، فنختار التغيير في أنفسنا ظنًا أنه الطريق الآمن للبقاء.
نسعى إلى الآخرين لا لأنهم دائمًا على حق، بل لأننا نُفضّل الترميم على الهدم، والاستمرار على القطيعة، فنُقدّم التنازلات كأنها حلول، ونُراكم الصبر باعتباره فضيلة، دون أن ننتبه إلى أن الصبر حين لا يُقابَل بوعي، يتحوّل إلى استنزاف بطيء. بعض العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبرد تدريجيًا، حتى نصبح غرباء دون خصام، وتفصلنا مسافات لم يصنعها خلاف واحد، بل صنعها الإهمال المتكرر.
ومع هذا الإدراك المتأخر نفهم أن محاولاتنا لم تكن دائمًا دليل حب فقط، بل كانت أحيانًا خوفًا من الوحدة، وخوفًا من الاعتراف بأن بعض الناس لا يريدون البقاء بالقدر نفسه. وهنا تتضح الحقيقة كاملة:
«ليست المشكلة في برودة الأشياء، بل في إصرارنا على التعامل معها وكأنها ما زالت دافئة».
ومن هذا الفهم، لا ينبغي أن نُرهق أنفسنا بمحاولة إحياء ما اختار الفتور طريقًا له، ولا أن نُكثر من التغيير في ذواتنا إرضاءً لمن لم يعد حاضرًا بوعيه. فالتجربة وحدها تعلّمنا أن نفرّق بين الصبر الذي يحفظ كرامتنا، والصبر الذي يستنزفنا بصمت، وأن بعض الانسحابات وعي، وبعض التراجع احترام للنفس، وليس كل بقاء انتصارًا.




